عناصر قوة ثقافتنا- اللغة العربية ١

 بسم الله الرحمن الرحيم

 مدونة ١٥

 يقدم لنا الشعر الجاهلي ومن بعده القرآن الكريم لغة ناضجة كاملة في بنائها وادواتها وقواعدها ومفرداتها؛ وكانما ظهرت الى الوجود منذ تلك العصور بكل كمالها وجمالها، مقارنة باللغات الاوروبية التي بدأت بالتطور من لهجات محلية الى لغات بعد التجديد الديني بقيادة مارتن لوثر وترجمة الانجيل الى الالمانية منذ خمسماية عام تقريبا.

  قال كارلونلينو: «اللغة العربية تفوق سائر اللغات رونقاً وغنى، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها».

  قال فان ديك (الأمريكي): «العربية أكثر لغات الأرض امتيازاً، وهذا الامتياز من وجهين : الأول: من حيث ثروة معجمها. والثاني: من حيث استيعابها آدابها».

 قال د. فرنباغ (الألماني): «ليست لغة العرب أغنى لغات العلم فحسب، بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي عليهم العدّ، وإن اختلافنا عنهم في الزمان والسجايا والأخلاق أقام بيننا نحن الغرباء عن العربية وبين ما ألفوه، حجاباً لا يتبين ما وراءه إلاَّ بصعوبة».

  قال فيلا سبازا: «اللغة العربية من أغنى لغات العالم، بل هي أرقى من لغات أوروبا لتضمنها كلَّ أدوات التعبير في أصولها في حين أن الفرنسية والإنجليزية والإيطالية وسواها قد تحدرت من لغات ميتة، ولا تزال حتى الآن تعالج رمم تلك اللغات لتأخذ من دمائها ما تحتاج إليه».

 قال المستشرق الفرنسي الشهير أرنست رينان في معرض حديثه عن اللغة العربية في الموسوعة المسيحية“: «فهذه اللغة مجهولة التاريخ تبدو لنا فجأة بكل كمالها ومرونتها وثروتها التي لا تنتهي، لقد كانت هذه اللغة منذ بدايتها بدرجة من الكمال تدفعنا للقول بإيجاز: إنها منذ ذلك الوقت حتى العصر الحاضر لم تتعرض لأي تعديل ذي بال، فاللغة العربية لا طفولة لها، وليس لها شيخوخة أيضا، منذ ظهرت على الملأ، ومنذ انتصاراتها المعجزة، ولست أدري إذا كان يوجد مثل آخر للغة جاءت إلى الدنيا مثل هذه اللغة من غير مرحلة بدائية، ولا فترات انتقالية، ولا تجارب تتلمس فيها معالم الطريق».

 يقول فيشر“: «إذا استثنينا الصين، لا يوجد شعب آخر يحق له الفخار بوفرة كتب علوم لغته، وبشعوره المبكر بحاجته إلى تنسيق مفرداتها حسب أصول وقواعد، غير العرب». أقول: مع قِدَم اللغة الصينية فلا يمكن أبداً مقارنتها بلغة العرب لأنها مجرد كتابة بحيث كل كلمة لها صورة معينة وليست هناك أبجدية، وكل منطقة في الصين تلفظ تلك الكلمة بشكل مختلف تماماً، مع غياب معظم التفصيلات النحوية. فسكان الصين لا يمكنهم التفاهم بين بعضهم بالنطق، ولكن في الكتابة فقط!

 يقول المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون عن اللغة العربية: « وباستطاعة العرب أن يفاخروا غيرهم من الأمم بما في أيديهم من جوامع الكلم التي تحمل من سموّ الفكر وأمارات الفتوة والمروءة مالا مثيل له».

 ويشير ماسينيون إلى أن اللغة العربية: لغة وعي ولغة شهادة، وينبغي إنقاذها سليمة بأي ثمن للتأثير في اللغة الدولية المستقبلية حسب تعبيره.

 ويقول المؤرخ الفرنسي آرنست رينان ايضا: « من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أمة من الرحّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم علمت ظهرت لنا في حلل الكمال لدرجة أنها لم تتغيرأي تغير يذكر؛ حتى إنها لم يعرف  في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة، ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى، ولانعلم شبيهاً لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج، وبقيت محافظة على كيانها من كل شائبة».

 ويقول المستشرق الأمريكي كوتهيل: « قلّ منا نحن الغربيين من يقدّر اللغة العربية حق قدرها من حيث أهميتها وغناها، فهي بفضل تاريخ الأقوام التي نطقت بها، وبداعي انتشارها في أقاليم كثيرة، واحتكاكها بمدنيات مختلفة، قد نمت إلى أن أصبحت لغة مدنية بأسرها بعد أن كانت لغة قبليةوفي تقديري سيكون لها مستقبل باهر.

 بينما يقول المستشرق الأمريكي وليمورل: «إن اللغة العربية من اللين والمرونة ما يمكنانها من التكيف وفق مقتضيات العصر، وهي لم تتقهقر فيما مضى أمام أي لغة أخرى من اللغات التي احتكت بها، وهي ستحافظ على كيانها في المستقبل كما حافظت عليه في الماضي».

  اللغة العربية غنية بمفرداتها، ولكن اين هي من اللغة الانجليزية مثلا؟

 احتفل الانجليز باضافة الكلمة المليون في سنة ٢٠١١ على ما اذكر، لغة جمعت مفرداتها من كل لغات العالم وما يعنيه ذلك من الحاجة الى تعلم كل كلمة من الكلمات المليون على انفراد نطقا ومعنى”.

 أسست في العام ١٩٨٣ مع أخوة آخرين شركة اسمها سدكو متخصصة في تعريب الحاسبات، ودعيت الى القاهرة لالقاء كلمة في مؤتمر عقد في فندق سميراميس عام ١٩٨٧. التقيت بالاستاذ الدكتور محمد حشيش وكان يرأس مركز ابحاث شركة آي بي ام في القاهرة ويعمل معه ثلة من ابناء مصر اللامعين. كانت محاضرتينا متتالتين متكاملتين وتتحدثان عن اللغة العربية والحوسبة. وكان المشروع الكبير في مركز الابحاث هو الترجمة الالية من والى العربية.

 تشرفت بزيارة المركز بدعوة كريمة من الدكتور محمد، واطلعني على ثمانية مشاريع فرعية، تشكل في مجملها مشروع الترجمة الآلية، وكان بناء القواميس واسلوب تخزينها على الحاسوب واسترجاع المفردات ومعانيها احدى هذه المشاريع. كما كان الصرف او تصريف الكلمات والاشتقاق مشروعا آخر.

 جمع الباحثون في المركز سبعة آلاف جذر ثلاثي تقريبا، وهذه ليس كل المتداول في العالم منها، والجذر الثلاثي لمن لا يعرف هو الفعل الماضي الثلاثي مثل كتب و لعب وهكذا

 جمع الباحثون خمسماية وزن لكل فعل، كل وزن ينتج كلمة معروفة النطق والمعنى، نعم المعنى، فعندما نقول وزن فاعل للجذر كتب، فننتج كلمة كاتب ونعلم ان كاتب هو فاعل الكتابة او من ينفذ الفعل. فمن تعلم جذرا واحدا تعلم خمسماية كلمة نطقا ومعنى.

 وبحساب بسيط، فان الجذر الثلاثي ومشتقاته يوفر لمتكلم العربية ثلاثة ونصف مليون كلمة. اي ثلاثة مرات ونصف عدد مفردات اللغة الانجليزية حاليا.

 اضف الى ذلك الادوات والافعال الرباعية والكلمات الاجنبية التي تعربت. وبالنتيجة، وبتخزين الجذور فقط لامكانية توليد الكلمات من الاوزان، تمكن المركز من وضع هذه الملايين من المفردات على قرص مغناطيسي سعته ماية وثمانية وعشرون الف حرف.

 والمفردات هي لبنات بناء الافكار، فحينما يفكر الانسان  يستخدم المفردات فيقول في نفسه مثلا اريد الذهاب الى العمل، فكلما زادت المفردات، زادت الافكار الممكنة وبهذا تكون العربية هي الوعاء الاوسع والاعمق للفكر، وان كثرة المفردات تدل على تطور الامة التي تستخدمها، ويمكن التعبير عن المعنى بدقة اكبر وبكلام اقل، او ما نسميه البلاغة، وتتكون لغات الامم البدائية من حوالي الفي كلمة فقط.

 واذا اردنا توضيح ذلك فليس اجمل من الحب مثلا، قالت العرب ان العشق هو فرط الحب، والهوى ميل النفس الى الشئ، والكلف هو شدة الحب، وان الشغف هو ارتفاع الحب اعلى موضع من القلب وهو احراق القلب حبا، والجوى هو الحب الباطن والذي لا يمكن اظهاره، ووضعوا للحب درجات فقالوا ان التتيم هو التعبد، والتبتل هو السقم والمرض حبا، والتدله هو ذهاب العقل بالحب، والهيام هو اختلاط الاماني والخيال بالواقع من شدة الحب، والصبابة رقة الشوق وحرارته، والوجد هو الحب الذي يتبعه الحزن والشوق هو سفر القلب الى المحبوب، والشجن هو حاجة المحب الشديدة الى المحبوب، والحنين هو الشوق الممزوج برقة، والود هو خالص الحب والطفه وارأفه، والغرام هو الولوع بالمحبوب.

 لكل كلمة معناها الدقيق ودلالتها المحددة، ولا يمكن استبدال كلمة باخرى، دون ان يضيع القصد. ولو ترجمنا هذه الكلمات الى الانجليزية فما هي المفردات التي تقابلها؟ لعلنا نحتاج من اللغات الاخرى الى جملة كاملة لنحصل على المعنى الدقيق للكلمة العربية.

 وللأسد حوالي ثمانين اسما كما ذكرت بعض المراجع، وتختلف أسماء الأسد رابضا او منقضا او ماشيا.

  نرى مما سبق ان اللغة العربية جاهزة للقيام بدورها في احياء الثقافة ومن ثم النهضة، فهل نحن جاهزون؟

 وفي عصرنا هذا، لم تستطع امتنا المتهاونة توفير مفردات مستقلة لتمييز المفردات الانجليزية الهامة ، فمثلا administration ،management ,directorate, استخدمنا كلمة ادارة لترجمتها، كلمة واحدة اضاعت فروق المعنى

واذا تفحصنا غياب المفردات العلمية  العربية، ازدادت هشاشة وضع اللغة الحالي وضوحا، واتضح تقصير الامة بحق هذه اللغة الرائعة

سنناقش في المدونة التالية اللغة العربية ٢ ضعف الامة في احياء اللغة.

 ولا نهضة بلغة مستوردة.

نسأل الله التوفيق والرشاد


2 Comments

Filed under English

2 responses to “عناصر قوة ثقافتنا- اللغة العربية ١

  1. سبحان الله، مقال جميل جدا جدا، أسأل الله أن يبارك
    عندي بعض الأسئلة:
    لماذا قدّم الكاتب الشعر الجاهلي على القرآن في قوله: “يقدم لنا الشعر الجاهلي ومن بعده القرآن الكريم “، مع أنّ المعروف أنّ العرب تقدّم الأهمّ فالأهمّ… والقرآن جاء بأفصح لغات العرب، بينما قد يوجد في الشعر ما ليس فصيحًا…
    – البحث جميل جدا، وغنيّ بالنقولات التي يجابه فيها المسلم غيره بشهادته، فكما قيل: والحق ما شهدت به الأعداء، ولكن لو زوّدنا الكاتب -حفظه الله- بالمصادر لكي نستفيد أكثر، وأكثر…
    – لو كتب لنا الكاتب -حفظه الله موضوع عن أثر اللغة في صدق المنطق، فأحيانًا يقول شخص لشخص أنا أحبك، ولجهله في اللغة هو لا يعرف معنى الحب، ولكنه شعر بشيء من الإعجاب فعبّر عنه بالحبّ مثلًا… فما أثر اللغة في صدق المنطق
    بالجملة مقال جميل جدا
    لا فضّ فوك
    وحفظك الله ورعاك

    • اخي الكريم

      ، اشكر لك هذا التعليق الجميل ولطف الكلام وحلاوته، ولقد ذكرت الشعر الجاهلي قبل القرآن الكريم لتقدمه بالزمان وليس بالاكرام، واحاول جهدي ادراج المراجع وهو افضل كما ذكرتنا، وعلم الدلالة او معاني الكلام جاء لتوضيح دقيق الفروق في معاني القران الكريم تحريا للصدق في التفسير والتعبير

      جزاك الله كل خير على مساهمتك القيمة ولا تحرمنا من فضل علمك يا اخي الفاضل

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s