المسار المتوسط – الجامعات ٣ – التنظيم العملياتي

بسم الله الرحمن الرحيم

 مدونة ١٠

تختلط مفردات العلوم الانسانية والاجتماعية بمفردات الحياة اليومية، لتعطي الفرد غير المتخصص جرأة على الخوض فيها لا يمتلك مثيلتها عند الخوض في العلوم الاخرى مثل العلوم الهندسية والطبية.

فإذا ذكرنا كلمة الفائدة البنكية على سبيل المثال، فلها معنى بسيط، سهل الفهم ومتداول يوميا، بينما يفرد علم الاقتصاد للفائدة بابا واسعا كجهاز تحكم في الاقتصاد ليكون سعر الفائدة آلية لتسخين الاقتصاد او تبريده.

يعاني علم الادارة كأحد العلوم الاجتماعية من نفس العادية والاستهانة والتعدي من قبل أصحاب التخصصات الأخرى، فما أن يعمل مهندس في مؤسسة ما لعدة سنوات حتى يضع نصب عينيه تسلم منصب إداري، وكأن التمكن من علم الإدارة يأتي مع العمر، وليس تخصصا قضى فيه آخرون سنوات عمرهم درسا وممارسة، ونخسر نتيجة لذلك مهندسا متميزا ونكسب مديرا متواضعا إن لم يكن فاشلا، وذلك إن لم يتم تدريبه وتأهيله لتسلم هذا المنصب الجديد. وكذلك نرى في التخصصات الأخرى، وكيف درجت حكومات المنطقة على القفز بالطبيب وبأستاذ الجامعة على سبيل المثال، من عيادته ومكتبه إلى مناصب الوزارة ورئاسة الجامعات.

أسست  حكومات دول العالم المتقدم أو التي وضعت نفسها على طريق التفوق، جامعات ومعاهد للادارة العامة، تقوم  بتدريس مكونات نظم الإدارة العامة من استراتيجية وعمليات وإدارة جودة وحاكمية،  وما يشمله ذلك من قوانين وسياسات وتعليمات. ولم أجد خلال بحثي في الانترنت ، وأعترف بأنه لم يكن شاملا، على أي منها في العالم العربي،  وكان بحثي خلال جوجل بالجملة التالية:

List of Public Administration Schools

 قامت هذه الحكومات بربط إشغال المناصب الإدارية فيها بالتأهيل المقدم من هذه الجامعة بشكل محدد أوما يعادله من خارجها، فإذا أردت وزيرا مثلا، فلا بد أن يحمل بكالوريوس  من هذه الجامعة. وعلى طالب كل وظيفة ان يحقق النجاح في دورات ومتطلبات هذه الوظيفة، فتضمن الدول بذلك حصول شاغل المنصب الإداري على التأهيل الكافي للنجاح قبل ان يرتقي المناصب وزيرا أو إداريا.

 تضع الشركات العالمية مساقا خاصا للمهندس الذي يحب أن يبقى مهندسا ولا يرغب في المناصب الإدارية ولا يسعى لها، فتجد مهندسين في نهاية عمرهم العملي ، أي أن أعمارهم فوق الستين ، وما زالوا يحملون لقب مهندس رئيسي أو مستشار تصميم رئيسي، وترى رواتبهم ومكافآتهم توازي رواتب زملائهم الذين اختاروا المساق الإداري إن لم تكن أكثر.

سنناقش فيما يلي الجزء الاول من  منهجية نهضة قطاع محدد مثل قطاع الرعاية الطبية، ونبدأ بالاستراتيجية.

تختلف استراتيجية القطاع عن استراتيجية جامعة القطاع، دون أن يعني ذلك تناقضا بينهما، بل إن تحقيق الجامعة لاستراتيجيتها يحقق للقطاع، وبعلاقة سببية، استراتيجيته.

تركز استراتيجية قطاع الصحة على إفراز الميزة التنافسية للدولة في هذا القطاع, فعلى سبيل المثال، يتمتع الاردن بميزة تنافسية في مجال الرعاية الطبية، ويمكن ان توضع استراتيجية قطاعية لإطلاق الاردن كمركز إقليمي ودولي لتقديم الرعاية الطبية وتحويل الرعاية الطبية من مركز كلفة وعبء على ميزانية الدولة  إلى مركز ربحية ورافعة لتحسين الميزان التجاري للدولة. إضافة إلى تحسين القطاعات الأخرى المرتبطة بهذا القطاع مثل النقل الجوي والفنادق والخدمات السياحية الأخرى مثل المطاعم والنقل الداخلي. لا تمتلك كثير من الدول الميزات التنافسية اللازمة لتحقيق ذلك.

ينطبق نفس التحليل على التعليم العالي في لبنان والسياحة الدينية في المملكة العربية السعودية ومصر والعراق.

ويتم تحديد القطاعات التي تمتلك الدولة ميزات تنافسية فيها، بتوفر تقاطع دوائر ثلاث، تحدد الدائرة الأولى ما يمكن ان نكون الأفضل فيه، متفوقون على الدول الموجودة في منطقة التنافس أو في العالم، وتحدد الدائرة الثانية القطاعات التي يشتهر الشعب في الدولة واضعة الاستراتيجية بشغفه فيها، فتجد اللبناني أستاذا في التجارة والتسويق والخدمات السياحية، والأردني شغوفا بالعلوم والهندسة والرياضيات، والمصري  مبدعا بالآداب والفنون والخدمات وهكذا. وتحدد الدائرة الثالثة القطاعات التي يمكن أن توفر مصدرا كافيا للايراد اللازم لإدامة التنافسية في القطاع وتمويلها. وهذا ما ذكره الأستاذ جيم كولينز كما ذكرنا سابقا. تقاطع هذه الدوائر يمثل الميزة التنافسية التي يجب أن تسعى الدولة للتركيز عليها.

 

ويمكن كذلك التوصل الى نفس النتيجة بدراسة جدول تحليل القوة والضعف، والفرص والمخاطر، وفي تقاطع مناطق وقطاعات قوتنا مع الفرص المتاحة في السوق المقصود، نصل إلى ميزاتنا التنافسية.

 

ويمكن الوصول إلى الميزات التنافسية للدول بتحليل مصادر قوتها الذاتية ومطابقتها مع شروط التفوق ومتطلبات النجاح  في قطاعات السوق المختلفة، وحيثما كان التطابق أكبر، كلما كانت إمكانية امتلاك الدولة لميزات تنافسية في ذلك القطاع  أكبر، وبالتالي كان النجاح  اقرب.

تكاد استراتيجية جامعات القطاعات المختلفة، سواءا ذكرت أعلاه أم لم تذكر، تتماثل في سعيها للمحافظة على الميزة التنافسية لقطاعها، وأن  يكون أول سياق استراتيجي للجامعة هو توفير التعليم المستمر للعاملين في القطاع، وذكرنا مثال الطبيب الذي يمارس أساليب كانت مقبولة عند تخرجه قبل أكثر من عشرين عاما واصبحت لاغية طبيا، فإذا تركنا الخريجين دون تحديث معرفتهم، ودون ربط التحديث بتجديد رخص ممارسة المهنة لضمان تحقيقه، فستخسر الدولة ميزتها التنافسية تدريجيا ويعود القطاع عبئا على الاقتصاد بدلا من رافد له. ويتعلق السياق الثاني  بإطلاق البحث العلمي وتعميم ثقافة الابتكار في كل مناهج التعليم العالي ومراحله. ويحث السياق الثالث على معاملة الطلبة كزبائن  نسعى للاحتفاظ بهم والى عدم تركهم للالتحاق بجامعات سيئة المستوى أو جامعات خارج الدولة.

ننتقل الآن إلى الجزء الثاني من وضع المنهجية، بعد أن ناقشنا الاستراتيجية أعلاه، وهو العمليات.

عرفنا العمليات على أنها مجموعة الإجراءات والقرارات المترابطة التي تؤدي خدمة او منتج لجهة خارج المؤسسة. ومن الأمثلة على ذلك مراجعة مريض للعيادات الخارجية أو إدخال مريض للمستشفى أو إجراء فحص مختبري، وهذه أمثلة من القطاع الطبي. ومثلها تكون عملية قبول طالب في الجامعة أو تسجيله أو تدريسه او امتحانه، هي أمثلة لعمليات معرفية من قطاع التعليم العالي.

ويسمى هذا النوع من العمليات بالعمليات الأساسية وهي التي تميز مؤسسة عن اخرى، فالمستشفى تعالج والجامعة تدرس وتبحث وتخترع والمصنع يصنع المنتجات وهكذا.

وبالمقابل يحتاج المستشفى والمصنع والجامعة إلى عمليات متماثلة مثل عمليات إدامة الموجودات الثابتة من أبنية وسيارات، وعمليات المحاسبة و إدارة المستودعات وإدارة القوى البشرية ويسمى هذا النوع بالعمليات المساعدة.

ولأن الناس درجت على احترام التعليمات المعززة بالقوانين وبالمكافآت والعقوبات، فكانت الحاجة واضحة الى النوع الثالث من العمليات وهو عمليات إدارة الجودة والتي تضمن تحقيق مقاييس أداء العمليات والتزام المنفذين بالإجراءات والسياسات.

كما يتم تصميم وتقديم التنظيم العملياتي للجامعة على النحو التالي

 

ويتم توضيح كل عملية رئيسية بتفصيلها الى مستويات اربعة كما في الشكل التالي

يسهل التفصيل الهرمي للعمليات اعلاه، الوصول الى المستوى التنفيذي في تعريف الإجراءات، ويخترن هذا المستوى المعرفة الحقيقية لانتاج الخدمة او السلعة. وجاء في الأمثال الغربية ان التحدي يكمن في التفاصيل. ويمكن تنفيذ هذا المستوى يدويا أوحوسبته أوميكنته كليا أو جزئيا. فاذا كانت العملية تتعلق بمعاملات ورقية لا بضاعة فيها، فيمكن حوسبتها باستعمال برامج إدارة تدفق الوثائق على سبيل المثال.

ويوضح لنا ما ذكرناه هنا كيف أن جامعات الغرب كانت تحقق أهدافها بالابتكار قبل الحوسبة، لامتلاكها العمليات المعرفية التفصيلية، التي نفذتها الجامعات الاوروبية يدويا قبل مائة عام، ولا تذكر جداول اول خمسماية جامعة في العالم اصدرتها الامم المتحدة، اية جامعة عربية، لان جامعاتنا لا تمتلك المعرفة اللازمة لعدم امتلاكها عمليات معرفية تمتلك ناصيتها وتنظيما عملياتيا معرفيا قمنا  نحن بوضعه تحقيقا لرؤيتنا. هذا وتختزن الحاسبات والبرامج التي تشتريها جامعاتنا حاليا حوسبة لعمليات جامعات اخرى، تحقق رؤيتها.

 تفصل العمليات في مستواها الإجرائي المتطلبات اللازمة لتنفيذ الإجراء، وهنا يمكن تحديد مواصفات الأجهزة والبرامج اللازمة لأتمتة أوميكنة الإجراء. وعلى ذلك فإن شراء البرامج والحاسبات أوالآلات،  قبل الوصول إلى التعريف الإجرائي للعمليات، يجعل الاستفادة من هذه المشتريات هامشيا على أحسن الاحوال.

 إن مواصفات الرافعة الشوكية التي نحتاجها مثلا، تعتمد أساسا على مواصفات البضاعة المطلوب تخزينها وإجراءات التخزين في المستودع، ومن ثم تأتي مواصفات الأرفف وبعدها عن بعضها، للسماح للرافعة  الشوكية المنتقاة بالحركة والدوران ويكون الشراء بدون توثيق العمليات ومتطلباتها كمن يبني عمارة دون عمل المخططات المعمارية أولا.

 ويمكن تخيل صرف دواء لمريض مؤمن صحيا، حيث يقوم الطبيب بإدخال الوصفة إلى الحاسوب، ويستطيع المريض صرف الوصفة بعد ذلك لدى أي صيدلية معتمدة من مؤسسة التأمين الصحي، دون الحاجة إلى تدقيق الوصفة يدويا ومراجعة الطبيب في حال الشك بصحتها.

 ومن ناحية أخرى يحدد المستوى الإجرائي لعمليات خدمة المرضى في المستشفيات توضيع العيادات والمختبرات وغرف العمليات والصيدليات والأشعة، لتكون الحركة والتنقل داخل المستشفى أقصر وقتا وأحسن عملا. وهذا ما يسمى عادة تحليل الوقت والحركة.

 أرجو أن أكون قد وفقت في توضيح البناء العملياتي لجامعة قطاعية، وهو تنظيم مزدوج الاهداف،  فالجامعة القطاعية جامعة عادية تدرس التخصصات المختلفة، ولكنها تركزعلى علوم القطاع الذي تخدمه، لتكون مركز ابداع لهذا القطاع، تختزن أفضل ممارسات مؤسساته وتحسنها بشكل مستمر، وهي مكتبة الامة الرئيسية للمحتوى العلمي للقطاع، ومصدر مفرداته، وقواميسه، وبوابة الدولة للعلاقة مع الدول الاخرى في مجال تخصصها، ومصنع خبراء ومفكري وعاملي القطاع.

 سنتناول في المدونة اللاحقة إن شاء الله تفصيل الخطوة الاولى في منهجية بناء النهضة وهي تعليل وجوب  بناء بيت النهضة وجامعته والخطوات اللازمة لذلك

نسأل الله التوفيق والرشاد

5 Comments

Filed under English

5 responses to “المسار المتوسط – الجامعات ٣ – التنظيم العملياتي

  1. حمدالله مبارك

    اخي خالد
    الله يعطيك العافية على هذه الكتابات الرائعة في مجال نفتقر فيه الى العمق باللغة العربية

    يقول بوتر هناك نوعان أساسيان من الميزة التنافسية للشركة أن تمتلكها إذا أرادت الاستمرار في الأسواق وهما ( تكلفة منخفضة أو تمايز ) . هذين النوعين الأساسين للميزة التنافسية جنبا إلى جنب مع نطاق الأنشطة التي تسعى شركة لتحقيقها ، قد يؤدي إلى ثلاث استراتيجيات عامة لتحقيق أعلى متوسط للأداء في قطاع الصناعة : قيادة التكلفة ، والتمايز ، والتركيز. وتركز إستراتيجية الخيارين ، والتركيز التكلفة والتركيز التمايز.
    ان نظرية الميزة التنافسية تشير إلى أن الدول والشركات ينبغي عليها إتباع سياسات تودي التي إلى إيجاد سلع وخدمات منافسة في الأسواق وبالتالي نمو الإنتاجية ، والميزة النسبية ، تؤدي إلى التخصص وزيادة الكفاءة في العمل .

    يعتبر وضع الإستراتيجية القطاعية احد أهم مكونات الإستراتيجية التي تحقق الميزة التنافسية للاقتصاد ، لان الاستثمار وتصحيح هذا القطاع يولد عوائد عالية ، في حين خلق قطاع جديد يحتاج إلى استثمارات وتضحيات عالية ، وبتحليل قطاعات الاقتصادية الأردنية نلاحظ أهمية التركيز على القطاعات التالية :-
     قطاع الصحة بسبب توفر الخبرات والموارد البشرية
     قطاع السياحة بكافة إبعادها العلاجية والترفيهية
     قطاع التعدين ( يمكن إقامة صناعة مكملة ذات مردود عالي )
     قطاع التعليم ( بعد تطويره وفق المصفوفة المقترحة )
     قطاع تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات
    ومن ناحية أخرى ، يجب إن لا نتطلع إلى القطاع الكلي والحكم عليه ، فمثلا قطاع الزراعة في الأردن يعتبر قطاع ضعيف بسبب شح الموارد المائية وارتفاع الملوحة وزيادة التصحر ، إلا إن تحليل القطاع الفرعي للزيتون يلاحظ وجود ميزة تنافسية في زراعة الزيتون وعصره وتعبئة وبيعة من خلال التركيز على قدسية هذه المادة خاصة في الأسواق الأوروبية.
    ان تقييم الميزة التنافسية لكل قطاع عملية مهمة في المشروع المقترح وتحليله وفق مصفوفة الفرص والتهديدات ونقاط القوة والضعف للوصول الى إستراتيجية التي تشتمل على ما يلي:-
     وضع الإستراتيجية ( الرؤيا والرسالة والأهداف والخطط والسياسات )
     تطبيق الإستراتيجية ( البرامج ، المشروعات ، الموازنات ، الإجراءات ، القواعد والتعليمات )
     تقيم ومتابعة الإستراتيجية ( وضع مقاييس الأداء ، قياس الأداء ، التحليل والتصحيح )

    ان بناء الجامعة بالطريقة المقترحة سوف يسهل عليك وعلينا وعلى الدول موضوع البحث والتطوير والابتكار بسبب توفر البيانات وزيادة التر
    ابط بين الشركات والمؤسسات العاملة في القطاع والجامعة المقترحة وخاصة اننا نعاني من البحث في جزر منفصلة عن قطاعات الاعمال

    وفقك الله

    • اخي الدكتور حمدالله
      اشكر لكم جهدكم المتميز في التركيز على روح موضوع المدونة، ونسأل الله ان يوفقنا في تطبيق هذه المنهجية . وقد حققت علوم الادارة الاستراتيجية قفزات كبيرة في كل مناحي الحياة في الدول التي تبنتها وباوقات قصيرة.

      جزاك الله كل خير

    • khawladurra

      المقال جميل ومنطقي ولكن لن يتحقق اي من هذا في المنظور القريب ، لان السياسه الان هو تخريب التعليم وليس اصلاحه تحياتي

  2. Susan Kilani

    Thank you Uncle Khaled, that is really great.

  3. بارك الله فيك

    مدونة متميزة ايضا .. والله أتمنى ارسال كل هذه المدونات لوزراء ومدراء الجامعات العربية

    تحياتي لك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s