المسار المتوسط – بيت النهضة ٢

 بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة ١٢

ألا تستحق مصر أم الدنيا والتي جربت ونجحت وملأت عين الدنيا، وعلمت اليونان والعالم معارف كانت أساس نهضة الامم الأخرى، ان تكون في نادي العشرين، والذي يمثل خمسة وثمانون بالماية من اقتصاديات العالم وثمانون بالماية من تجارته وثلثي سكانه؟

 بعد أن يتم بناء بيت النهضة وجامعتها كما ذكرنا في المدونة السابقة، فأول عمل يقوم به مجلس إدارة بيت النهضة هو وضع رؤية لمصر.

قال موزع الصحف لابنه وهو يعلمه فنون صنعته في أزقة القاهرة، يا أحمد، إن أردت أن توصل الجورنال إلى بلكونة الطابق الخامس فعليك أن تستهدف بلكونة الطابق السابع، كلام بسيط يفيض حكمة. أي لو وضعت مصر مثلا أمام أعينها رؤية  محددة، مثل دخول نادي العشرين خلال خمسة عشر عاما، فعليها أن تضع نصب أعينها المنصب السادس عشر وليس العشرين. هذا ما يعرف في علم الإدارة الاستراتيجية بالأهداف الممتدة.

ثم يتم اختيار القطاعات الاقتصادية التي تتمتع فيها مصر بميزات تنافسية، ، حتى لا يتم الاستثمار في قطاعات تتفوق علينا دول هي أفضل منا فيها، وما أسهل ذلك في عصر العولمة واسقاط الدول لجدران حمايتها من جمركية وغيره

يتم توزيع حصة كل من القطاعات المختارة من الناتج المحلي الإجمالي، لتحقيق الرؤية بدخول نادي العشرين. إن هذه الرؤية تتطلب متابعة هدف متحرك، إذ أن الدول أعضاء هذا النادي لن تقف متفرجة وتبقى ثابتة في نشاطها، فعلينا أن نحرك أرقامنا مع السنين ، لنتابع تحرك  هدفنا وإنجازه وتحسينه لأرقامه

سيكون التحرك لتحقيق هذا الهدف من مرحلتين، الأولى تحتاج الى حشد هائل للطاقات، ونقل منهجي للمعرفة وتوطينها وخاصة في قطاعات الميزات التنافسية، لنتمكن من القفز الى منطقة المتفوقين

  والمرحلة الثانية وهي مرحلة الحفاظ على الموقع الجديد وذلك بإطلاق آليات التحسين المستمر وكما يوضح الشكل

الرجاء النقر على الاشكال لتوضيحها 

ولمصر ميزات تنافسية منفردة في القطاعات التالية على سبيل المثال

السياحة التاريخية وتشمل الاثار الفرعونية والاسلامية

النقل البحري المتمثل بقناة السويس

الزراعة مثل الزهور والعطور والتنافسية المتولدة عن رخص العمالة والطقس والقرب من الأسواق الأوروبية

صناعة المحتوى الحاسوبي العربي

يتبع إطلاق القطاعات المذكورة أعلاه التخطيط لإطلاق الصناعات المكملة  اللازمة لها، مما يضمن توفير الاستمرارية لهذه القطاعات وإبقاء رأس المال في مصر وتقليل الاستيراد وتوفير الوظائف لأعداد كبيرة من المصريين

يحتاج قطاع السياحة إلى فنادق وحافلات نقل وتحف وملابس تقليدية ، فيتم التركيز على صناعة الأثاث والحافلات و التحف  وعلى التدريب العالي وإدارة الجودة وعدم التساهل فيها

يحدد بيت النهضة لكل قطاع ذو ميزة تنافسية حصته من نمو الناتج المحلي اللازم لتحقيق المركز السادس عشر، خلال خمسة عشر عاما

ويتبع ذلك تنضيد الأهداف القطاعية لتصب في الأهداف الكلية كما في الشكل أدناه

ينطلق كل مجلس أعلى لقطاع معين وجامعته بوضع الخطة الاستراتيجية للقطاع وتحديد المبادرات والمشاريع اللازمة لتحقيق حصة القطاع من الناتج المحلي ومن النمو، وبالتالي تحديد التمويل اللازم وإمكانية توفيره محليا وخارجيا، ومن ثم ترتيب أولويات تنفيذ المشاريع

ولتحقيق نهضة قطاع السياحة مثلا فعلينا إحياء التعلم وإحياء الثقافة ووضع آليات تراكم المعرفة وذلك خلال الجامعة القطاعية والتي تقوم بإعداد الكوادر اللازمة لإدارة وتشغيل الفنادق والحافلات والإرشاد السياحي وغيره، ووضع النظم والمناهج لمعاهد ولكليات المهن المساعدة

عندما تعلن إحدى دولنا النفطية عن إنشاء مشروع نفطي كبير مثل مصفاة تكرير، تقوم الهند بالعمل على تجهيز الأطقم الفنية المؤهلة اللازمة لتشغيل هذه المصفاة في جامعاتها ومعاهدها المهنية. وما أن ينتهي العمل في بناء المصفاة حتى يكون الهنود جاهزون لشغل وظائفها. لا نلوم إخواننا في الخليج على عدم توظيف عمالة عربية بل علينا أن نلوم أنفسنا على تقصيرنا في توفير العمالة المؤهلة   الكفؤة لمشاريعنا اولا ولمشاريع المنطقة

وهناك صناعات حيوية تحتاجها كل دول المنطقة لبقائها ورفاهيتها يمكن أن تكون مصر مركزا لها من خلال شراكات إقليمية ومنها

صناعة المياه لتحقيق أمن مصر القومي في هذا المجال وامن المنطقة، وتشمل أبحاث ترشيد استخدام المياه وتكريرها وتحلية المياه نصف العذبة والمالحة مثل مياه البحر

صناعة الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة المياه والرياح

صناعة النفط من المخلفات الزراعية والتي لا تأكل من الطعام البشري

 سننتقل في المدونات اللاحقة إلى مثال واحد عن احياء التعلم، ثم ننطلق في دراسة عناصر القوة في ثقافتنا، والتي يمكن إطلاقها دعما لنهضتنا، ولتكون ادوات خاصة بنا، تساعدنا  على اللحاق والسباق، إذ أن التفصيل أكثر في النظم الإدارية لمؤسسات النهضة سيصبح  عملا تخصصيا تفصيليا ومملا للقارئ العادي

نسأل الله التوفيق والرشاد

2 Comments

Filed under English

المسار المتوسط – بناء بيت النهضة وجامعتها

بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة ١١

 أسس ابن خلدون علم الاجتماع، جملة نسمعها ونرددها دائما. ولكن ماذا يعني تأسيس علم جديد؟ ولماذا لم ينسب عمله وبحثه إلى علم التاريخ أوالجغرافيا؟

إذا أجاب بحث علمي عن مجموعة اسئلة مترابطة متكاملة، لا يجيب عليها علم سابق، فهو علم جديد. ولقد اجاب خلال ابحاثه وكتبه على اسئلة تتعلق بالسكان والعمران والسلطان لم يتطرق إليها أو يجيب عليها علم آخر، ولهذا اعتبر ابن خلدون مؤسس هذا العلم الهام، والذي يعاني من إهمال غير مبرر في الوطن العربي.

وقياسا على ذلك حال المؤسسات، فنرى ان مؤسسة حكومية معينة تقدم خدمات و/أو منتجات مترابطة لا تشاركها فيها مؤسسة اخرى إذا ظهرت الحاجة الى تقديم خدمات ومنتجات جديدة مترابطة متكاملة لا تقدمها مؤسسة حالية، فنحتاج لذلك الى مؤسسة جديدة توفر هذه الخدمات وتكون مسؤولة عن تحقيق أهداف الدولة في هذا المجال.

لنضع فيما يلي مجموعة من الخدمات التي نحتاجها لنهضتنا ولنأخذ مصر على سبيل المثال، ولندرس ترابطها وتكاملها وفيما إذا كانت مؤسسة حالية تقوم بتقديمها، أم نحن بحاجة إلى مؤسسة جديدة، وأهم هذه الخدمات كما يلي

وضع استراتيجية النهضة وإدامتها خلال تجميع الأدمغة والخبرات المصرية ذات الشهرة والتفوق في المجالات والتخصصات المختلفة والتي تتمتع بخبرة عالمية ناجحة، في مجلس واحد وعلى سبيل المثال د.احمد زويل و د. فاروق الباز وغيرهم كثير ومصر ولادة ومبروكة دائما بإذن الله

وضع الميزات التنافسية الاستراتيجية لمصر وتحديد هذه القطاعات، ووضع خطط إدامة تفوقها فيها

البحث عن الأساليب والأدوات والمؤسسات الجديدة التي يمكن أن تساعدنا في ردم الهوة مع الدول المتقدمة، والتي تزداد الفجوة معها يوميا لجاهزية مؤسسات هذه الدول وما يسمى فروق التطور، ودراسة قصص نجاح الدول المماثلة مثل كوريا الجنوبية

القيام بتحمل مسؤولية النهضة من تخطيط وتنظيم استراتيجي ومراقبة الجودة في التنفيذ، وإدامة ذلك حتى انتهاء خطط ومشاريع قد تتعدى عمر الحكومات

إطلاق البحث العلمي في علوم النهضة من إدارة استراتيجية واقتصاد وعلم اجتماع وعلوم السلوك والإدارة العامة والتواصل مع دور البحث المماثلة في دول العالم وتجميع أفضل الممارسات وتأصيلها تمهيدا لدمجها أفكارا لا تتناقض مع ثقافتنا، وذلك خلال جامعة النهضة التي يجب أن تتبع للمؤسسة المسؤولة عن هذه الخدمات

تحديد مجالات البحث العلمي المطلق والتجريبي ذات الأبعاد الاستراتيجية مثل تحلية المياه والطاقة المتجددة وإدراجها في الخطط الاستراتيجية للدولة

إطلاق البحث العلمي لتحديد مكامن ضعف الدولة ثقافيا واقتصاديا وغيره، وإمكانية استفادة الأعداء منها لتعطيل النهضة ووضع الحلول لدرء المخاطر

استلام الأفكار والاستراتيجيات والمشاريع والمبادرات بشكل مؤسسي من المصريين ومن أحباء مصر ليتم دراستها و إدخال الموافق عليه منها ضمن السياقات الاستراتيجية لمنظومة النهضة وإدراج المشاريع ضمن أولوياتها وأهميتها وحدود الموازنة العامة للدولة

بناء مؤسسات النهضة القطاعية وهي المجالس العليا للقطاعات من صحة وتعليم وغيره والجامعات التابعة لها، بما يحقق أهداف نهضة القطاعات المختلفة، ووضع البناء المؤسسي للرقابة على الجودة، خلال دوائر متخصصة تتواجد في مؤسسات السلطة التنفيذية، والتأكد من التزام هذه المؤسسات بتنفيذ الخطط بمقاييس الاداء الكمية المتفق عليها

 توفير المرجعية الموحدة لأولويات مشاريع الدولة وتوافقها مع الخطة الاستراتيجية العامة لها

بناء قاعدة بيانات العلماء المصريين في العالم لاستقطابهم ولدعوتهم للمؤتمرات المتخصصة والاستفادة من خبراتهم وعمل اتفاقيات تعاون مع المؤسسات التي يعملون فيها

 دراسة المشاريع الاستراتيجية طويلة المدى ذات المردود المتأخر, مثل السدود والطرق السريعة والجامعات، والتي تتجنبها الحكومات حتى لا تنهك موازنتها وتقلل الخدمات التي تقدمها للناخبين وتؤثر على وضعها في الانتخابات القادمة، والعمل على توفير اتفاقيات التمويل المطلوب

حماية الاقتصاد الوطني من تأثير العولمة وإسقاط الحواجز الجمركية ضمن اتفاقية التجارة الحرة، والتركيز على الميزات التنافسية للدولة، ووضع المواصفات والمقاييس التي تحمي مستهلكينا

تكليف الحكومة خلال سفاراتها وبعثاتها التجارية وغيرها ، بجمع المعلومات عن أفضل المممارسات والخبرات والعادات والقوانين والمؤتمرات المتعلقة بتحسين الأداء الحكومي

تدقيق خطط الوزارات مقابل الأهداف الاستراتيجية ومقاييسها

جمع وبناء أفضل الممارسات العالمية وتوفيرها للحكومات ولمجموعات بناء العمليات في الحكومة والقطاع الخاص من جامعات ومستشفيات وغيره

نشر التقارير الدورية التي توضح مدى التزام الحكومة بالاتجاه الاستراتيجي العام للدولة

اعتماد جامعة حكومية تكون هي “جامعة النهضة” يكون واجبها، وعلى سبيل المثال لا الحصر

 إنتاج الكوادر المؤهلة للإدارة العامة واختيار الأفضل لمجموعة الإدارة الإستراتيجية أي مجموعة بيت النهضة

 تخزين النظم المعرفية والعمليات الموثقة لأعمال الحكومة بأنواعها من استراتيجية وإدارية وتشغيلية وبناء موسوعة النهضة

 توفير البعثات للدرجات العليا لتحسين هذه العمليات وتحسين تطبيقها

توفير مساقات تأهيل الموظفين الحكوميين لتولي مناصب الإدارة العامة

 بناء قواميس الإدارة العامة باللغة العربية مع ربطها بمصطلحات اللغات الرئيسية وإدامتها

توفير البنك المعرفي لأفضل الممارسات الحكومية والعالمية وتراكم الخبرات والمعارف، تحقيقا للتفوق إن شاء الله

تحديد المهام والأهداف المطلوبة من النقابات والجمعيات والمؤسسات التابعة للدولة ودمج أو إلغاء ما لا دور لها في عملية النهضة

ولعل قائل يقول أن بعض الحكومات قامت بإنشاء مراكز دعم القرار، ولها أهداف شبيهة بما ذكرت، وأقول أنني اتكلم عن مؤسسات وطنية منتخبة، يراقب البرلمان اداءها وتراقبه ، وإعلام حر قوي مؤهل، وعن قضاء عادل حازم حاسم . وعلينا ان لا نحاول أن نصنع المستقبل بأدوات الماضي والتي لم تحقق ما كنا نصبو إليه دائما من نهضة وتقدم.

بعد ان اوضحنا اعلاه وجوب الحاجة الى بناء بيت النهضة كخطوة سابقة في منهجية النهضة. نفصل فيما يلي الخطوات

 تشكيل هيئة تأسيسية مكونة من تسعة اشخاص من أعلام مصر في المجالات الأساسية من تعليم وصحة وعدل وأمن وأبحاث ومياه وإدارة وإعلام وغيره، وممن لهم تاريخ محلي ودولي ناجح معترف به، وتكليفهم بتأسيس نظام بيت النهضة وجامعته. ويشمل النظام الداخلي الاستراتيجية والسياسات والاجراءات أي منظومة العمليات بمستوياتها الأربعة، ومن ثم تعليمات وعمليات رقابة الجودة والالتزام لتحقيق ما ذكر اعلاه وما يضاف اليه.

 اختيار جامعة حكومية هي الأقوى والأفضل في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

وأحب أن أنوه هنا إلى أهمية الاستعانة بتآلف شركات استشارية محلية مع شركات دولية ذات خبرة في وضع استراتيجيات الدول المتقدمة، وربط التآلف مع الجامعة المنتقاة لتكون جامعة النهضة، وذلك بهدف توطين هذه المعرفة الأساس والمنهجيات المتبعة وذلك للمرة الاولى فقط، ليتم بعد ذلك الاعتماد على الشركات الاستشارية المحلية.

وعلى اللجنة التأسيسية أن لا تنجر إلى شعارات أهمية بناء النظام الداخلي بأيدي موظفي الحكومة الأكفأ، لقد دأبت حكومات العالم المتقدم على تكليف الشركات بالعمل وتكليف موظفيها الأكفأ ليكونوا المراقبين الأفضل على أداء الشركات والتأكد من جودة التسليم والالتزام بالمواعيد، ولن تستطيع حكومة أو الهيئة التأسيسية أن تضع كفالات حسن تنفيذ أو غرامات تأخير على موظفيها.

 وإذا كان موظفونا المؤهلون هم المتعهدون فمن يحقق الرقابة؟

 يتم تشكيل مجلس ادارة بيت النهضة حسب النظام الداخلي لينطلق بيت النهضة حاملا مسؤولية تحقيق أهداف تشكيله مما ذكر اعلاه ومما تتضمنه برامج الحكومات بعد إقرارها من البرلمان.

 سنلقي الضوء في المدونة التالية إن شاء الله على الخرائط الاستراتيجية وبطاقات الأداء المتوازن لبيت النهضة وجامعتها تمهيدا لربطها بالمجالس العليا للقطاعات ولنستمر في خطوات بناء نهضة أمتنا في اطار منهجية عملية مقترحة.

نسأل الله التوفيق والرشاد


4 Comments

Filed under English

المسار المتوسط – الجامعات ٣ – التنظيم العملياتي

بسم الله الرحمن الرحيم

 مدونة ١٠

تختلط مفردات العلوم الانسانية والاجتماعية بمفردات الحياة اليومية، لتعطي الفرد غير المتخصص جرأة على الخوض فيها لا يمتلك مثيلتها عند الخوض في العلوم الاخرى مثل العلوم الهندسية والطبية.

فإذا ذكرنا كلمة الفائدة البنكية على سبيل المثال، فلها معنى بسيط، سهل الفهم ومتداول يوميا، بينما يفرد علم الاقتصاد للفائدة بابا واسعا كجهاز تحكم في الاقتصاد ليكون سعر الفائدة آلية لتسخين الاقتصاد او تبريده.

يعاني علم الادارة كأحد العلوم الاجتماعية من نفس العادية والاستهانة والتعدي من قبل أصحاب التخصصات الأخرى، فما أن يعمل مهندس في مؤسسة ما لعدة سنوات حتى يضع نصب عينيه تسلم منصب إداري، وكأن التمكن من علم الإدارة يأتي مع العمر، وليس تخصصا قضى فيه آخرون سنوات عمرهم درسا وممارسة، ونخسر نتيجة لذلك مهندسا متميزا ونكسب مديرا متواضعا إن لم يكن فاشلا، وذلك إن لم يتم تدريبه وتأهيله لتسلم هذا المنصب الجديد. وكذلك نرى في التخصصات الأخرى، وكيف درجت حكومات المنطقة على القفز بالطبيب وبأستاذ الجامعة على سبيل المثال، من عيادته ومكتبه إلى مناصب الوزارة ورئاسة الجامعات.

أسست  حكومات دول العالم المتقدم أو التي وضعت نفسها على طريق التفوق، جامعات ومعاهد للادارة العامة، تقوم  بتدريس مكونات نظم الإدارة العامة من استراتيجية وعمليات وإدارة جودة وحاكمية،  وما يشمله ذلك من قوانين وسياسات وتعليمات. ولم أجد خلال بحثي في الانترنت ، وأعترف بأنه لم يكن شاملا، على أي منها في العالم العربي،  وكان بحثي خلال جوجل بالجملة التالية:

List of Public Administration Schools

 قامت هذه الحكومات بربط إشغال المناصب الإدارية فيها بالتأهيل المقدم من هذه الجامعة بشكل محدد أوما يعادله من خارجها، فإذا أردت وزيرا مثلا، فلا بد أن يحمل بكالوريوس  من هذه الجامعة. وعلى طالب كل وظيفة ان يحقق النجاح في دورات ومتطلبات هذه الوظيفة، فتضمن الدول بذلك حصول شاغل المنصب الإداري على التأهيل الكافي للنجاح قبل ان يرتقي المناصب وزيرا أو إداريا.

 تضع الشركات العالمية مساقا خاصا للمهندس الذي يحب أن يبقى مهندسا ولا يرغب في المناصب الإدارية ولا يسعى لها، فتجد مهندسين في نهاية عمرهم العملي ، أي أن أعمارهم فوق الستين ، وما زالوا يحملون لقب مهندس رئيسي أو مستشار تصميم رئيسي، وترى رواتبهم ومكافآتهم توازي رواتب زملائهم الذين اختاروا المساق الإداري إن لم تكن أكثر.

سنناقش فيما يلي الجزء الاول من  منهجية نهضة قطاع محدد مثل قطاع الرعاية الطبية، ونبدأ بالاستراتيجية.

تختلف استراتيجية القطاع عن استراتيجية جامعة القطاع، دون أن يعني ذلك تناقضا بينهما، بل إن تحقيق الجامعة لاستراتيجيتها يحقق للقطاع، وبعلاقة سببية، استراتيجيته.

تركز استراتيجية قطاع الصحة على إفراز الميزة التنافسية للدولة في هذا القطاع, فعلى سبيل المثال، يتمتع الاردن بميزة تنافسية في مجال الرعاية الطبية، ويمكن ان توضع استراتيجية قطاعية لإطلاق الاردن كمركز إقليمي ودولي لتقديم الرعاية الطبية وتحويل الرعاية الطبية من مركز كلفة وعبء على ميزانية الدولة  إلى مركز ربحية ورافعة لتحسين الميزان التجاري للدولة. إضافة إلى تحسين القطاعات الأخرى المرتبطة بهذا القطاع مثل النقل الجوي والفنادق والخدمات السياحية الأخرى مثل المطاعم والنقل الداخلي. لا تمتلك كثير من الدول الميزات التنافسية اللازمة لتحقيق ذلك.

ينطبق نفس التحليل على التعليم العالي في لبنان والسياحة الدينية في المملكة العربية السعودية ومصر والعراق.

ويتم تحديد القطاعات التي تمتلك الدولة ميزات تنافسية فيها، بتوفر تقاطع دوائر ثلاث، تحدد الدائرة الأولى ما يمكن ان نكون الأفضل فيه، متفوقون على الدول الموجودة في منطقة التنافس أو في العالم، وتحدد الدائرة الثانية القطاعات التي يشتهر الشعب في الدولة واضعة الاستراتيجية بشغفه فيها، فتجد اللبناني أستاذا في التجارة والتسويق والخدمات السياحية، والأردني شغوفا بالعلوم والهندسة والرياضيات، والمصري  مبدعا بالآداب والفنون والخدمات وهكذا. وتحدد الدائرة الثالثة القطاعات التي يمكن أن توفر مصدرا كافيا للايراد اللازم لإدامة التنافسية في القطاع وتمويلها. وهذا ما ذكره الأستاذ جيم كولينز كما ذكرنا سابقا. تقاطع هذه الدوائر يمثل الميزة التنافسية التي يجب أن تسعى الدولة للتركيز عليها.

 

ويمكن كذلك التوصل الى نفس النتيجة بدراسة جدول تحليل القوة والضعف، والفرص والمخاطر، وفي تقاطع مناطق وقطاعات قوتنا مع الفرص المتاحة في السوق المقصود، نصل إلى ميزاتنا التنافسية.

 

ويمكن الوصول إلى الميزات التنافسية للدول بتحليل مصادر قوتها الذاتية ومطابقتها مع شروط التفوق ومتطلبات النجاح  في قطاعات السوق المختلفة، وحيثما كان التطابق أكبر، كلما كانت إمكانية امتلاك الدولة لميزات تنافسية في ذلك القطاع  أكبر، وبالتالي كان النجاح  اقرب.

تكاد استراتيجية جامعات القطاعات المختلفة، سواءا ذكرت أعلاه أم لم تذكر، تتماثل في سعيها للمحافظة على الميزة التنافسية لقطاعها، وأن  يكون أول سياق استراتيجي للجامعة هو توفير التعليم المستمر للعاملين في القطاع، وذكرنا مثال الطبيب الذي يمارس أساليب كانت مقبولة عند تخرجه قبل أكثر من عشرين عاما واصبحت لاغية طبيا، فإذا تركنا الخريجين دون تحديث معرفتهم، ودون ربط التحديث بتجديد رخص ممارسة المهنة لضمان تحقيقه، فستخسر الدولة ميزتها التنافسية تدريجيا ويعود القطاع عبئا على الاقتصاد بدلا من رافد له. ويتعلق السياق الثاني  بإطلاق البحث العلمي وتعميم ثقافة الابتكار في كل مناهج التعليم العالي ومراحله. ويحث السياق الثالث على معاملة الطلبة كزبائن  نسعى للاحتفاظ بهم والى عدم تركهم للالتحاق بجامعات سيئة المستوى أو جامعات خارج الدولة.

ننتقل الآن إلى الجزء الثاني من وضع المنهجية، بعد أن ناقشنا الاستراتيجية أعلاه، وهو العمليات.

عرفنا العمليات على أنها مجموعة الإجراءات والقرارات المترابطة التي تؤدي خدمة او منتج لجهة خارج المؤسسة. ومن الأمثلة على ذلك مراجعة مريض للعيادات الخارجية أو إدخال مريض للمستشفى أو إجراء فحص مختبري، وهذه أمثلة من القطاع الطبي. ومثلها تكون عملية قبول طالب في الجامعة أو تسجيله أو تدريسه او امتحانه، هي أمثلة لعمليات معرفية من قطاع التعليم العالي.

ويسمى هذا النوع من العمليات بالعمليات الأساسية وهي التي تميز مؤسسة عن اخرى، فالمستشفى تعالج والجامعة تدرس وتبحث وتخترع والمصنع يصنع المنتجات وهكذا.

وبالمقابل يحتاج المستشفى والمصنع والجامعة إلى عمليات متماثلة مثل عمليات إدامة الموجودات الثابتة من أبنية وسيارات، وعمليات المحاسبة و إدارة المستودعات وإدارة القوى البشرية ويسمى هذا النوع بالعمليات المساعدة.

ولأن الناس درجت على احترام التعليمات المعززة بالقوانين وبالمكافآت والعقوبات، فكانت الحاجة واضحة الى النوع الثالث من العمليات وهو عمليات إدارة الجودة والتي تضمن تحقيق مقاييس أداء العمليات والتزام المنفذين بالإجراءات والسياسات.

كما يتم تصميم وتقديم التنظيم العملياتي للجامعة على النحو التالي

 

ويتم توضيح كل عملية رئيسية بتفصيلها الى مستويات اربعة كما في الشكل التالي

يسهل التفصيل الهرمي للعمليات اعلاه، الوصول الى المستوى التنفيذي في تعريف الإجراءات، ويخترن هذا المستوى المعرفة الحقيقية لانتاج الخدمة او السلعة. وجاء في الأمثال الغربية ان التحدي يكمن في التفاصيل. ويمكن تنفيذ هذا المستوى يدويا أوحوسبته أوميكنته كليا أو جزئيا. فاذا كانت العملية تتعلق بمعاملات ورقية لا بضاعة فيها، فيمكن حوسبتها باستعمال برامج إدارة تدفق الوثائق على سبيل المثال.

ويوضح لنا ما ذكرناه هنا كيف أن جامعات الغرب كانت تحقق أهدافها بالابتكار قبل الحوسبة، لامتلاكها العمليات المعرفية التفصيلية، التي نفذتها الجامعات الاوروبية يدويا قبل مائة عام، ولا تذكر جداول اول خمسماية جامعة في العالم اصدرتها الامم المتحدة، اية جامعة عربية، لان جامعاتنا لا تمتلك المعرفة اللازمة لعدم امتلاكها عمليات معرفية تمتلك ناصيتها وتنظيما عملياتيا معرفيا قمنا  نحن بوضعه تحقيقا لرؤيتنا. هذا وتختزن الحاسبات والبرامج التي تشتريها جامعاتنا حاليا حوسبة لعمليات جامعات اخرى، تحقق رؤيتها.

 تفصل العمليات في مستواها الإجرائي المتطلبات اللازمة لتنفيذ الإجراء، وهنا يمكن تحديد مواصفات الأجهزة والبرامج اللازمة لأتمتة أوميكنة الإجراء. وعلى ذلك فإن شراء البرامج والحاسبات أوالآلات،  قبل الوصول إلى التعريف الإجرائي للعمليات، يجعل الاستفادة من هذه المشتريات هامشيا على أحسن الاحوال.

 إن مواصفات الرافعة الشوكية التي نحتاجها مثلا، تعتمد أساسا على مواصفات البضاعة المطلوب تخزينها وإجراءات التخزين في المستودع، ومن ثم تأتي مواصفات الأرفف وبعدها عن بعضها، للسماح للرافعة  الشوكية المنتقاة بالحركة والدوران ويكون الشراء بدون توثيق العمليات ومتطلباتها كمن يبني عمارة دون عمل المخططات المعمارية أولا.

 ويمكن تخيل صرف دواء لمريض مؤمن صحيا، حيث يقوم الطبيب بإدخال الوصفة إلى الحاسوب، ويستطيع المريض صرف الوصفة بعد ذلك لدى أي صيدلية معتمدة من مؤسسة التأمين الصحي، دون الحاجة إلى تدقيق الوصفة يدويا ومراجعة الطبيب في حال الشك بصحتها.

 ومن ناحية أخرى يحدد المستوى الإجرائي لعمليات خدمة المرضى في المستشفيات توضيع العيادات والمختبرات وغرف العمليات والصيدليات والأشعة، لتكون الحركة والتنقل داخل المستشفى أقصر وقتا وأحسن عملا. وهذا ما يسمى عادة تحليل الوقت والحركة.

 أرجو أن أكون قد وفقت في توضيح البناء العملياتي لجامعة قطاعية، وهو تنظيم مزدوج الاهداف،  فالجامعة القطاعية جامعة عادية تدرس التخصصات المختلفة، ولكنها تركزعلى علوم القطاع الذي تخدمه، لتكون مركز ابداع لهذا القطاع، تختزن أفضل ممارسات مؤسساته وتحسنها بشكل مستمر، وهي مكتبة الامة الرئيسية للمحتوى العلمي للقطاع، ومصدر مفرداته، وقواميسه، وبوابة الدولة للعلاقة مع الدول الاخرى في مجال تخصصها، ومصنع خبراء ومفكري وعاملي القطاع.

 سنتناول في المدونة اللاحقة إن شاء الله تفصيل الخطوة الاولى في منهجية بناء النهضة وهي تعليل وجوب  بناء بيت النهضة وجامعته والخطوات اللازمة لذلك

نسأل الله التوفيق والرشاد

5 Comments

Filed under English

المسار المتوسط الجامعات ٢ – التنظيم العملياتي

بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة  ٩

يتكون اقتصاد الدول من قطاعات مختلفة يشكل كل قطاع بيئة متكاملة من المؤسسات الصناعية والخدمية. وتتعقد العلاقات بين مؤسسات القطاع الواحد و تزداد تعقيدا بتفاعلها وتكاملها الأوسع مع مؤسسات القطاعات الأخرى.

فإذا أخذنا القطاع الصحي ابتداءا، تبرز المؤسسات التالية وذلك على سبيل المثال لا الحصر:

وزارة الصحة بأقسام الطب الوقائي والعلاجي والاوبئة وغيرها من الدوائر الفرعية

مؤسسة مواصفات ومقاييس الغذاء والدواء

المستشفيات والمختبرات والعيادات العامة والخاصة

مصانع الأدوية وشركات توزيع الأدوية، ومحلات بيعها للمواطنين من صيدليات وغيرها

الجامعات  التي تدرس الطب ، وكليات الطب والمهن الطبية المساعدة مثل التمريض والعلاج الطبيعي

النقابات والجمعيات المهنية مثل نقابة الاطباء ونقابة الممرضين

جمعية شركات الاستشارات ذات العلاقة

شركات التأمين الطبي

 تبرز كذلك مؤسسات من قطاعات أخرى ومؤسسات دولية لها دور هام في دعم تقديم الرعاية الطبية للمواطن مثل:

مؤسسات الدفاع المدني

مؤسسات الشرطة

وزارة البيئة وشرطتها

المؤسسات الرياضية والعلاج الطبيعي

مؤسسات الإحصاء

المؤسسات الدولية

يستحق كل قطاع رئيسي في الدولة أن يخصص له جامعة عامة، تتحقق خلالها نهضة هذا القطاع وذلك بإحياء التعلم واحياء الثقافة فيه. وتصبح هذه الجامعة مركزا لأبحاث القطاع وحل مشاكله ومراكمة خبراته، كما وتعمل هذه الجامعة بوابة للعلاقة مع المؤسسات والجامعات الإقليمية والدولية العاملة في نفس القطاع، تتبادل معها المعرفة والأبحاث والدراسات والنتائج ومقاييس الأداء المعتمدة لتقييم أداء القطاع، وذلك حتى نكون متناغمين مع العالم الذي نعيش فيه ونستطيع كذلك تقييم تقدمنا وإنجازاتنا بمساطر وموازيين دولية، مثل عدد الوفيات لكل ألف مولود ومعدل عمر الفرد وإحصاءات الحالة الصحية مثل نسب أمراض سوء اللياقة والوزن مثل السكري وضغط الدم.

تتحول هذه الجامعة إلى مصنع لإنتاج قادة ومدراء ومفكري القطاع، جاهزين للعمل والإنتاج خلال وقت قصير ، لأن تدريبهم وتعليمهم ارتكز على دراسة وفهم عمليات مؤسسات القطاع وتحسينها.

من الممارسات الدولية التي يجدر ذكرها هنا أن الجامعات اليابانية تطلب من كل خريج ان يقدم ثلاث تحسينات جديدة لمنتج او خدمة يابانية، يقبلها صاحب المنتج أو الخدمة، أي أن المهندس الإلكتروني مثلا لا  يستطيع التخرج حتى يقدم ثلاث تحسينات على جهاز إلكتروني ياباني، تقبلها الشركة اليابانية المنتجة لنفس الجهاز مثل سوني أوتوشيبا أوغيرها. وينطبق هذا على القطاعات المختلفة

تخيلوا مئات آلاف التحسينات المجانية التي تضاف إلى منتجات وخدمات اليابان كل عام، وذلك بوضع وتفعيل مثل هذه السياسة البسيطة، وتخيلوا وحجم البحث والتطوير الحقيقي الذي تطلقه هذه الممارسة في الجامعات اليابانية مقارنة بجامعاتنا التي يشتري طلبتها الأبحاث المطلوبة منهم من المكتبات القريبة من الجامعة، أبحاثا مكررة لا قيمة لها لأحد.

وللاستفادة مما سبق، يجب ان تقوم جامعة كل قطاع بطلب ثلاثة تحسينات  جديدة، او اكثر، على عمليات القطاع من كل خريج من الجامعة،  على ان تقبل هذه التحسينات من المجلس الاعلى للقطاع، ليتم اضافة ما يتم قبوله واقراره منها الى العمليات الحالية ، ونحصل بذلك على تراكم الخبرات ومن ثم التفوق. ويكون لتدوير الموظفين بين العمل التنفيذي والجامعة فائدة كبيرة في تحديث معلومات الموظفين بما استجد من علوم في الادارة في القطاع المعني، وكذلك الاستفادة من خبرات الموظف العملية وتفريغ افضلها في العمليات التي هي مخزن المعرفة، كما ذكرنا سابقا.

نتيجة لذلك، يبدأ الطالب الجديد في جامعة القطاع بدراسة عمليات القطاع  الافضل والمعرفة الاحدث والتي تراكمت فيها خبرات من سبقه.

قامت نهضة سنغافورة على إنشاء مجالس قطاعية، تتشكل من ممثلي نقابات وجمعيات القطاع الأهلي أوالخاص بنسبة سبعين بالماية، ومن ممثلي القطاع الحكومي أوالعام بنسبة ثلاثين بالماية. يضع المجلس القطاعي استراتيجية القطاع تحت مظلة الاستراتيجية العامة للدولة التي يضعها بيت النهضة.

الشكل (1)

نقتبس هنا هذه التجربة الناجحة ونضيف إليها جامعة القطاع بحيث تتبع جامعة متخصصة لكل مجلس قطاعي، ونبين ما ذكرناه في الشكل التالي:

 

الشكل (2)

ويتشكل مجلس أمناء جامعة القطاع الصحي ممن يختارهم المجلس الاعلى للصحة، وتقوم النقابات وبنسب مختلفة بتمويل المجلس والجامعة القطاعية، إضافة الى التبرعات والأوقاف ورسوم الطلبة الدراسية والمخالفات والغرامات المتعلقة بالقطاع. وتساهم الحكومة بنسبة تمثيلها في المجلس كحد اعلى حتى لا تسعى الى السيطرة عليه ماليا.

تكون قرارات المجلس الاعلى لكل قطاع،  إلزامية لكل مكونات القطاع واهمها المكون الحكومي، اي اننا نريد ان يكون مجلسا له صلاحيات كاملة وليس مجلسا استشاريا كما جرت العادة.

تنهض الأمة بنهضة قطاعاتها المختلفة، وتنهض القطاعات بإحياء علومها وإحياء ثقافتها من مهارات وحرف ومهن وصناعات، وإحياء لغة الأمة ومفرداتها لتخدم القطاعات المختلفة وليطلق مفردات القطاع التي تطلق بدورها التفكير والإبداع، أليست المفردات لبنات بناء الافكار؟ وكيف نتوقع أن ينطلق الفكر دون توفر عناصره؟

وتستقطب الجامعة كذلك خبراء وخبرات أبناء الأمة والأمم الأخرى لنقل وتوطين المعرفة في بلادنا ومراكمتها وصولا إلى التفوق، وهكذا تكون الجامعة حاضنة لنهضة قطاعها ومركز إبداعه تقوم ببناء وحفظ وإدامة المحتوى المعرفي والقواميس الخاصة بقطاعها.

وهنا اود ان يقوم خبراء كل قطاع  في كل دولة من الدول النامية، بتجميع انفسهم في هيئة تاسيسية لقطاعهم، تقوم بجمع اسماء المؤسسات والخبراء والاساتذة الافضل المرشحين لشغل مناصب المجلس الاعلى للقطاع ولجامعة القطاع، تمهيدا لعرضها على المسؤولين في بلدهم لاعتماد هذا المقترح ولتخصيص جامعة للقطاع ، لتبدأ نهضة منهجية للقطاع.

سنتحدث في المدونة التالية عن الجامعات 3– التنظيم العملياتي.

نسأل الله التوفيق والرشاد

7 Comments

Filed under عربي

المسار المتوسط، الجامعات ١

بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة ٨

الجامعة هي عماد النهضة وتوأم بيت النهضة واول ما يجب بناؤه من المؤسسات، ولربما قال قائل ان المدرسة اهم من الجامعة وان المدرسة هي تاسيس الطالب واصل البناء. نعم لا خلاف، ولكننا بحاجة الى جامعة تصمم البيئة التعليمية المدرسية المتفوقة وبما يناسب ثقافتنا، جامعة تقوم بجمع ما يصدر في العالم من ابحاث وما يتم اعتماده من نتائج، وتقوم بدراسة امتحانات التقييم الدولية لمخرجات التعليم وتعكسه على المناهج وعلى سياسات ومنهجيات التعليم المدرسية في بلادنا

تسبق الجامعة المدرسة لتكون الحاضنة التي تنتج المدرسة الناجحة والطالب المناسب لزمانه ومتطلبات عصره، وكما راينا سابقا فهناك البناء الاصلي ومن ثم ادامة التحسين والتعديل بما يستوعب المتغيرات، ونرى ان جامعة كامبردج, على سبيل المثال، هي مركز البحث والتطوير وحاضنة نظم ومنهجيات التعليم في بريطانيا

تتكامل العلوم الانسانية في دراسة وتحليل وفهم ثقافة الامة، وتقوم الكليات المختلفة مثل كلية التربية وكلية علم النفس والسلوك بوضع المناهج واساليب التدريس والمختبرات والالعاب التي تمثل افضل الطرق لايصال المعلومة الى الطالب وكيف ان يكتشف الطالب العلم اكتشافا لا تلقينا.

تركز جامعات العالم العربي وافريقياعلى التعليم النظري وتبتعد عن البحث العلمي لحاجته الى مختبرات واساتذة مكلفين، لا تقدر او لا ترغب في توفيرها

تنتقي جامعات العالم الغربي افضل ابناء الدول المتخلفة وتستكمل تاهيلهم النظري بالتاهيل العملي ، وتحول بهذاالاستثمار او الاستكمال، هذا الشاب او الشابة ليصبح منتجا.

توفر هذه الدول مستوى الحياة المتقدم، ونظم الحياة المتطورة، والتي ما فتئ يقارنها ببلده فيؤجل عودته، وتزداد بلده فقرا وتخلفا ويزداد عدد الهاربين من الافضل والاذكى من ابناء الدول الفقيرة، وداروين يراقب التخلف الجيني للامم الفقيرة وعكسه في الدول المتفوقة والتي تراكم افضل الصفات الجينية في شعوبها لتزداد تفوقا وازدهارا

تذكر كتب التاريخ ان المسلمين اخترعوا الجامعة، حيث أخذ كل عالم ابتداءا احد اعمدة المسجد الجامع في بلده ، واجتمع تلامذته من حوله يتلقون عنه في مجالات متنوعة  ابتداءا من علوم الدين وصولا الى العلوم والاداب والفنون.

ظهرت في عصور النهضة الاسلامية الجامعة المستنصرية في بغداد، والازهر في القاهرة، وجامعات الاندلس وكان اشهرها تفاعلا وتنوعا في جنسيات الدارسين هي جامعة طليطلة و التي كانت نموذجا رائعا ، لتعارف الشعوب وتبادل المعرفة وضربت اروع الامثلة على اتساع صدر الدولة الاسلامية في اسبانيا لكافة الدارسين من مختلف البلدان الاوربية، وكانت اللغة العربية هي اللغة السيدة في ذلك الزمان، ونجحت في استيعاب المعرفة الانسانية وتطويرها. ومن جامعة طليطلة، انطلق العلماء الاوروبيون لتأسيس جامعات اوروبا الشهيرة مثل السوربون واكسفورد

نهضت بريطانيا حوالي العام ١٧٥٠، ولحقتها دول شمال اوروبا مثل بلجيكا وهولندا وفرنسا حوالي العام ١٨٣٠، تخلفت فرنسا عن بريطانيا بسبب انشغال فرنسا بالثورة والحروب النابليونية والأوروبية، مقابل الاستقرار السياسي والاقتصادي والناتج عن استقرار الحكم الديمقراطي البريطاني اضافة الى عدم وقوع حروب على الاراضي البريطانية، حيث تسبب هذه الحروب في تدمير هائل للاقتصاد والاستدامة الاجتماعية.

ولتلحق فرنسا ببريطانيا، استدعت الأساتذة الجامعيين من بريطانيا وسعت إلى إنشاء جامعات مماثلة للجامعات البريطانية بسرعة كبيرة.

قامت نهضة اليابان على الوفود التي ارسلتها الى بريطانيا والمانيا حوالي العام ١٨٦٠، لنقل النظم المطبقة في هذين البلدين القائدين في ذلك الزمان، في مجالات التعليم والبحث والتطوير والصناعة والتجارة.

دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الاولى بقرار مفاجئ للجميع، بعد ان كان شعار الرئيس وودرو ولسون اثناء حملته الانتخابية التي سبقت ذلك، ان لا لمشاركة الولايات المتحدة في الحرب في اوروبا

كان هذا في العام ١٩١٧.

احتاجت الولايات المتحدة الى اكثر من سبعماية الف عسكري اضافي لتلبية احتياجات هذا القرار المفاجئ، اي هناك حاجة الى تجنيد وتدريب وتسليح وتزويد هذاالجيش الكبير بسرعة قياسية

اخترعت الجامعات الامريكية علم القياس، والذي يقوم على فحص تاهيل المجندين من معرفة ومهارات وخبرات والامكانيات العقلية، ورد الفعل الميكانيكي للمجند وسرعة الاستجابة العصبية والعضلية للمؤثرات اي رد الفعل على المؤثرات، وتم تصميم امتحانات وادوات مساعدة لانجاز هذه الفحوص

قام الخبراء العسكريين بمقارنة تاهيل المجندين بالوظائف المطلوب اشغالها، وتم اختيار المجندين الاقرب تاهيلا لشغل الوظيفة فوفر هذا الوقت الكثير في التدريب كما استبعد من لا تتوفر لديه مواهب اساسية للنجاح في وظيفة معينة ، فهل ينجح مثلا في العمل على مدفع مضاد للطائرات من لا يستطيع التفكير بفراغ ثلاثي الابعاد او هل ينجح من يعاني من عمى الالوان من شغل وظيفة خبير دهانات.

وكاننا نقول وضع الرجل المناسب في المكان الاقرب لمؤهلاته، ونجحوا في بناء الجيش والدخول وكسب الحرب العالمية الاولى، والتي انتهت في العام ١٩١٨ اي في السنة التالية لدخول الولايات المتحدة الحرب.

في العام 2000، وجدت ألمانيا أن عدد براءات الاختراع التي سجلها الألمان في ذلك العام لكل 10,000 مواطن قد تراجع، ولنقل من 40 براءة اختراع إلى 38 براءة اختراع وذلك على سبيل المثال، مع بقاء ألمانيا الأولى عالميا في هذه المعدل. أطلقت ألمانيا ناقوس الخطر وجمعت علماء التربية والتعليم والنفس وغيره لتجد حلا لمعالجة هذه المصيبة الطارئة وكان توجههم الى الجامعات لدراسة موطن الخلل ووضع الحلول.

وضع العلماء الألمان ثلاثة محاور استراتيجية لنظام تعليمي حديث يتم بناؤه في الجامعات حول هذه المحاور وهي:

التعليم المستمر للخريجين وبحيث يتم ربط الخريجين بالجامعات ليستكملوا سنويا ما جد من علوم على تخصصاتهم وكانهم يستلهمون الحديث الشريف، اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد

معاملة الطلبة واحترامهم كزبائن للمؤسسة الجامعية بدلا من اعتبارهم مجرد طلبة، فالجامعة أصبحت بحاجة إليهم وليس فقط العكس، لأنه أصبح بإمكان الطالب المقيم بجانب الجامعة الانتساب بواسطة الإنترنت إلى إي جامعة في العالم.

إدخال ثقافة الابتكار في كل منهج وعملية تعليمية أو تجريبية في الجامعة.

نجح النظام الجديد، بعد استكمال بنائه وتطبيقه في أكثر من 150 جامعة ومؤسسة تعليمية، نجاحا كبيرا

رأينا من الامثلة اعلاه، وبشكل واضح، ان دولا من مختلف الثقافات والقارات، نجحت في نهضتها وفي حل مشاكل ما بعد نهضتها خلال جامعاتها. وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه اعلاه من ان الجامعات هي عماد النهضة واهم مؤسساتها.

واذا عكسنا ما رايناه اعلاه على وضع جامعاتنا نصل الى السؤال المحير التالي:

إذا كانت مهمة الجامعات توفير التعليم والبحث والتطوير، وبما يحل مشاكل الأمة، فلماذا نجحت جامعات الغرب، ولنقل قبل مائة عام، بالقيام بدورها بنجاح، وقدمت المخترعات من الات بخارية وكهربائية ومن أدوية وأجهزة وأسلحة، ولم تقم أي جامعة حديثة في العالم العربي بإنجاز أي ابتكارات تذكر، واكتفت بالتدريس او بالتلقين، رغم توفر الادوات من الحاسبات والشبكات واهمها الانترنيت طبعا، توفر التواصل السهل بين المؤسسات العلمية وتوفر العلم للجميع؟

لماذا تنتج جامعاتنا خريجين درسوا تاريخ العلوم ، مهندسين جاهزين لبيع او لصيانة مخترعات نظرائهم من مهندسي الدول المتقدمة، ويسمي نفسه بافتخار مهندس صيانة، ويعادله في العالم المتقدم فني صيانة تخرج من مدرسة ثانوية.

أي باختصار: ما حاصل طرح جامعة عربية اليوم من جامعة أوروبية قبل مائة عام؟

سنناقش في المدونة القادمة، شكل البناء الداخلي لجامعة اوروبية، واعني هنا بناء الاستراتيجية و الهيكل العملياتي وادارة الجودة فيها وتحت عنوان المسار المتوسط الجامعات النظام الداخلي

نسأل الله التوفيق والرشاد


2 Comments

Filed under عربي

المسار المتوسط العمليات ٢

 بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة ٧

اعلن الاتحاد السوفيتي في مطلع ستينات القرن الماضي عن نيته زيادة عدد طائرات سلاح الجو ليصل الى ثلاثة اضعاف العدد الحالي. كان الاعلان مفاجئا وصاعقا

تستطيع حكومة مركزية القرار؛ غير ديمقراطية؛ حشد مصادر الدولة لانجاز ما تراه مناسبا.  وتحتاج الولايات المتحدة بالمقابل الى موافقات لا تنتهي من لجان موازنات و مناكفات حزبية وبرلمانية للحصول على زيادة محدودة، فما بالك بزيادة تبلغ ثلاثة اضعاف.

قام خبراء ومستشارو الاستراتيجية بدراسة الاسباب المؤدية الى ضمان التفوق الامريكي ضمن انفاق ما هو متوفر في الموازنات الحالية، حيث ان اي زيادة في الانفاق ستكون ولا بد، على حساب خدمات اخرى من تعليم او صحة او غيره.

توصل الخبراء الى ان عملية تجهيز الطائرة للاقلاع يستغرق ساعتين، لتحلق بعدها وتحارب مدة خمس واربعين دقيقة

قام الخبراء بتحليل عملية التجهيز، و قاموا بدراسة اجراءاتها التفصيلية كل على حدة، وطرحوا الاسئلة المختلفة مثل

هل هذا الاجراء ضروري ام يمكن الاستغناء عنه؟

الى اي مدى يمكن تحسين الاجراء يدويا قبل ادخال الاتمتة او الميكنة؟

 وهنا يمكن اعادة تنظيم العدد والادوات ومخططات الصيانة حسب تسلسل الفحوص والحاجة اليها كمثال لتوفير الوقت 

ما هي التكنولوجيا الحالية من ادوات ومعدات والتي تحسن مقاييس اداء عملية التجهيز من وقت او كلفة اوجودة او مخاطر؟

ما امكانية اطلاق البحث والتطوير لبناء تقنيات وادوات غير متوفرة للتحسين؟

ما هي الاجراءات التي تعتمد على ما سبقها ويجب تنفيذها على التوالي؟

ما هي الاجراءات التي يمكن تنفيذها على التوازي؟

 ما هو مستوى التأهيل والتدريب المطلوب توفيره لاتقان التنفيذ؟

 تم نتيجة لذلك تخفيض وقت عملية التجهيز الى ثماني عشر دقيقة، واصبح باستطاعة الطائرة ان تحلق اكثر من ثلاثة اضعاف طلعاتها السابقة، وبتحسين كفاءة وفاعلية العمليات تم تعويض الزيادة السوفيتية في الطائرات

.تخيل مضاعفة فاعلية سلاح الجو في دولة عظمى لاكثر من ثلاثة اضعافها وبكلفة زهيدة

لقد تم تطبيق نفس عمليات التجهيز المذكورة اعلاه في حرب ١٩٦٧ ضد اسلحة الجو العربية، والتي امتلك اي منها نفس عدد الطائرات او اكثر وبنجاح مذهل

 اعتقد ان اهمية الوصول بالعمليات الى الاحسن عملا، اصبحت واضحة اداءا وكلفة مقارنة باية مقاربة اخرى.

 ترى العين الخبيرة نفس التطبيق في سباق السيارات الدولية، فقد تم تخفيض وقت عملية تغيير اطار او عجل السيارة المتعطل من ثلاث عشر ثانية الى سبع ثوان فقط، مع قيام فريق الصيانة بتنفيذ اعمال اخرى على التوازي ، مثل ملء الخزان بالوقود وتفقد اساسيات السيارة ضمن هذه الثواني السبع.

ولا يختلف المثلان اعلاه من حيث ا لمنهجية التي تم تطبيقها

انتقل ضابط من الجيش في احدى دول العالم الثالث الى سلاح الجو فيها، وما ان استقر في وظيفته الجديدة حتى اضيف اسمه الى جدول الضباط المناوبين. وجاء دوره كضابط مناوب.

جاءه كشف توزيع الحراس او الغفر، ليقوم بتوزيع الجنود على المواقع، فقرأ فيها حارس البوابة الرئيسية، حارس خزان المياه، وحارس كذا وكذا الى ان وصل الى حارس أو غفير الصبة، وقف عند هذه المناوبة ولم يستوعبها، سأل زملاءه عن غفير الصبة فقالوا هذا ما وجدنا عليه آباءنا، ونصحوه بعدم التنكيد عليهم وهو الدخيل على المجموعة.

بعد بحث طويل، توصل هذا الضابط الى اصل الحكاية، وهي ان القوات المستعمرة لهذا البلد والتي كانت قد أنشات هذا المعسكر وتمركزت فيه، قبل حوالي خمسين عاما، ارادت انشاء ملعب كرة طائرة لافرادها في المعسكر، وحتى تمنع دوس المارين في صبة الاسمنت الطرية وضعت حارسا للصبة. جاء امر اخلاء القوات الاجنبية قرارا وطنيا ومطلبا شعبيا ولكنه كان مفاجئا. وكان هذا قبل عشرين عاما، تركوا المعسكر، وبقيت البلد تضع غفيرا للصبة ليلا ونهارا لمدة عشرين عاما، لا احد يراجع او يتساءل، اي لا توجد عمليات موثقة للمراجعة والرقابة والجودة لتدقيق ما وجدنا عليه اباءنا

 وصلت رسالة في نفس الفترة، وذلك في بداية السبعينيات من القرن الماضي الى قيادة سلاح الجو في نفس البلد تبلغه بانتهاء مسوؤلية وزارة دفاع الدولة المستعمرة عن مباني هذا المعسكر بمناسبة انقضاء خمسين عاما على انشائها

عمليات يدوية موثقة، تتم ادامتها يدويا، تستمر لعشرات السنين، قبل الحواسيب، حكموا بواسطتها العالم واداروا وجودا امبراطوريا شاسعا، وما يتطلبه من تحريك قوات ومعدات، عتاد وقطع غيار، وأغذية وادوية والبسة وبريد و كتب وجسور وكل ما يخطر وما لا يخطر ببال وذلك كله ايام السفن الشراعية والبخارية، قبل الطائرات والاتصالات اي قبل الحداثة كما نعرفها

 بالمقابل ارسلت دولة عربية جيشا لدعم رئيس اوغندا الاسبق عيدي امين ضد خصمه موبوتو، دون عمليات امداد ولا تزويد و لا اي دعم لوجستي، بعد ايام قليلة استسلمت القوات العربية الى موبوتو مقابل طعامها وشرابها، وباسلحتها هزم موبوتو عيدي امين

عندما حشد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ملايين الجنود تمهيدا لانزالهم في نورماندي، اختاروا الجنرال ايزنهاور قائدا عاما للقوات، ماذا كانت خبرة هذا الجنرال الذي حقق اعظم انتصار في تاريخ الحلفاء؟ لقد كان ضابط  تخطيط استراتيجي من كبار ضباط الاركان وكان التحدي ادامة وتزويد هذا الجيش الضخم،

ما زالت الخرائط المساحية ودراسات المياه الجوفية والابار التي وضعها الاستعمار لاغراض ادامة قواته وتزويدها تمثل افضل وادق المراجع في معظم دولنا، رغم امتلاكنا لاجهزة احدث وادق عشرات المرات. لم نستطع لليوم التفوق على نتائجهم ومهاراتهم.

لنسترجع حكمة ما سبق، ان العملية اهم من الاداة، وعجيب اصرارنا واستمرارنا بانفاق اموالنا المحدودة على شراء ادوات صنعت لاتمتة وتحسين عمليات ليست عندنا

نشتري معاصر نستعملها للزيتون، تعمل ربع العام تقريبا، و هي مصممة لعصر الحبوب الزيتية من سمسم وغيره وبحيث تعمل طيلة العام، هذا ايضا توضيح لعلاقة العملية بالاداة. ينتهي بنا الأمر بدفع ثمن امكانيات لا نستعملها. الا يقلل هذا كفاءة الاستثمار، وبالتالي تنافسية زيت الزيتون الذي ننتجه؟

كيف استطاعت دولة محدودة الموارد الطبيعية والسكان مثل بريطانيا السيطرة على هذه المساحات الشاسعة بامتداد الاف الاميال في كافة زوايا الارض، كيف حكمت ثقافات وحضارات وامم مختلفة لعشرات وحتى لمئات السنين، حكما مباشرا او عبر وسطاء وانظمة صديقة وما زالت؟

لقد حكمت بريطانيا الهند بتواجد حوالي عشرة الاف انجليزي، في الحالات العادية. وذكر البرفسور الان ماكفارلين من جامعة كامبردج ، ان خمسماية من الانجليز  شغلوا منظومة القيادة والاستراتيجية ومنظومة المعرفة. وقال ان بريطانيا حكمت عام ١٨١٥ ربع اليابسة وخمس السكان في العالم وكان كل اداري انجليزي مسؤول عن ستماية الف مواطن من المستعمرات. انتهى كلام البروفسور.

وقد استعملوا ابناء المستعمرات لشغل منظومة التنفيذ، وهي الاكثر عددا، فكان افراد قوى الامن هنودا يقومون بقمع المتظاهرين الهنود لحساب المستعمر، حتى ان جيوشا من الهنود حاربت دفاعا عن الامبراطورية البريطانية في الحرب العالمية الثانية في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. تماما كما حارب ابناء شمال افريقيا دفاعا عن فرنسا في حروب سابقة

ارادت بريطانيا ان تحكم سيطرتها بعدد قليل على كامل شرق افريقيا، وكانت خطة تحقيق ذلك، تركيز قوة ضاربة في منطقة واحدة وتسهيل وصولها الى المنطقة المتمردة لقمعها مع تقسيم المناطق عن بعضها لمنع تمردها معا. ولتعود القوة بعدها الى موقع تمركزها، فكان الهدف هو السيطرة واستغلال ثروات شرق افريقيا بتواجد محدود ، وكان المشروع المؤدي الي تحقيق الهدف هو بناء خط سكة حديدية على طول امتداد الساحل الشرقي لافريقيا.

رفض الافارقة العمل في هذا المشروع الاستعماري وشخصوا خطورته على بلادهم

مرة اخرى استعان الانجليز بالهنود، ووعدوهم هذه المرة بالجنسية البريطانية ونقلوهم الى شرق افريقيا وملأوا منظومة التنفيذ ووفروا الاعداد اللازمة ونفذوا المشروع، وكان للانجليز ما ارادوا.

جاءت الدول المستعمرة او الامبريالية – وهذا اصح، بتكليف من عصبة الامم لتحضير امم العالم المتخلف، ونقل المعرفة والاساليب اليهم ، شملت قائمة الامم المتخلفة  اعظم الثقافات والحضارات التي عرفها التاريخ، مثل الصينية والهندية والاسلامية. فدمرت هذه الدول الامبريالية ما لدى هذه الامم من عناصر قوة، فدمرت مثلا ما لدى الامبراطورية المغولية في الهند من صناعة متميزة، واعادتها الى الوراء لانتاج المواد الاولية لمصانع بريطانيا ولتكون سوقا استهلاكية لمنتجاتها، اكتسحت الصين بالافيون واختلقت الخلافات بين الامم اينما استطاعت

شغلت الكوادر الانجليزية منظومات الاستراتيجية والمعرفة فاحتفظت لنفسها بالمعرفة واخذتها معها حين تركت

انسحبت الدول الامبريالية من افريقيا واذا بالنظم والعمليات القائمة تفقد رأسها وقيادتها ومخازن معرفتها، وتتآكل بتآكل المنظومة التنفيذية، وفاة او تقاعدا او انتقالا. تراجعت الادارة من سيئ الى اسوأ حتى اصبحت اسوأ مما كانت عليه قبل مجيئ المستعمر، فيما عدا القوات الامنية من جيش وشرطة و تحت مسميات مختلفة، والتي عهد اليها  المحافظة على النظام الصديق الذي ترك ليحمي مصالح من ترك ظاهرا ولم يترك فعلا

لن اوفي الامر حقه من الاهمية مهما حاولت، ولكن ارجو الله ان اكون قد وفقت في توضيح اهمية تحسين العمليات في المؤسسات او في الدول، وانصح هنا كل صاحب قرار بالبدء بتوثيق عمليات مؤسسته بعد تخصيص شخص واحد قوي امين من كل منطقة تخصص في مؤسسته، وليتم بعدها العمل على تحسين هذه العمليات، ولربما كان هناك حاجة لسؤال اهل الذكر للمساعدة في تحسين أول عملية او اثنتين ولغاية بناء الخبرة الذاتية في المؤسسة وصولا الى الاحسن عملا

سنناقش في المدونة التالية المسار المتوسط – الجامعات ان شاء الله

ونسأل الله التوفيق والرشاد

2 Comments

Filed under English

المسار المتوسط – العمليات ١

بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة ٦

منذ عدة سنوات، زرت معرضا للغسالات في الولايات المتحدة الأمريكية، رغبة وفضولا… ما الذي يمكن ان يشغل هذه المساحة الكبيرة ويجذب هذا العدد من الحضور في موضوع الغسالات؟؟

دخلت الصالة الأولى فإذا برسومات وأشكال توضيحية تمثل تاريخ غسل الملابس في الفترة ما قبل وجود  الغسالات. توضح الرسومات أن عملية الغسيل تتكون من شطف الملابس، غلي الملابس، شطف الملابس ثانية، وضع الصابون والماء، غلي الماء والصابون، تحريك الملابس لمدة معينة، ثم الشطف والتكرار عدة مرات حتى التأكد من نظافة الغسيل، وأخيرا التجفيف على الحبال. كل هذا توضحه رسومات ومجسمات توضيحية رائعة.

اذا استرجعنا تعريف العملية المعرفية كما ورد في المدونة ٢ (كيف نبدأ نهضتنا) نجده كالاتي:

العملية المعرفية هي مجموعة القرارات والإجراءات المترابطة التي نقوم بها لإنتاج خدمة أو منتج لطرف ثالث

وهكذا ندرك أن غسيل الملابس هو عملية معرفية، أي تحمل في داخلها معرفة إنتاج خدمة أو سلعة معينة، ولو كتبناها بتفصيل الكميات والأوقات والإجراءات ونشرناها لاطلاع المهتمين، لأصبح باستطاعة من لا يعرف كيف يغسل ملابسه، أن يغسل باتباع الخطوات الموثقة، ونكون بذلك قد حفظنا وعممنا معرفة إنتاجية على أناس لم يعرفوها سابقا، ولا سيما مع التيسير المستمر في الذكر والتعليم، وخصوصا مع توفر الإنترنت وإمكانية التوضيح بالرسوم والفيديو والشرح الصوتي المرافق .

نفس الفكرة البسيطة اعلاه تنطبق على العمليات الصناعية والزراعية وغيرها، حتى الواردة منها في كتب الطبخ..

ألا يعني ما سبق اننا نستطيع اليوم ان نغسل ملابسنا دون غسالات من أي نوع؟ بالطبع نستطيع.

نستنتج من هذه الأمثلة أن العملية المعرفية هي مخزن المعرفة، ويمكن تنفيذها دون الأتمتة او الميكنة وباستقلال تام عن الأدوات والمعدات، ونحصل بذلك على المنتج او الخدمة المطلوبة، لربما باستخدام وقت أطول، أوعدد اكثر من العاملين ، أو بجودة أكثر تقلبا في مستواها وأكثر ارتباطا بمستوى العامل وحاجة أكبر لسيطرة الإدارة ومراقبة الجودة.

علينا ان نتذكر دائما ان للعملية المعرفية أربعة مقاييس أداء كمية وهي زمن العملية، كلفتها، جودتها، ومخاطرها. وأن مشاريع تحسين الأداء لا بد ان ينتج عنها تحسين جودة المنتج أو الخدمة، أو تقليل زمن العملية أوكلفتها أو مخاطرها. ويمكن ان يمس التحسين واحدة أو أكثر من هذه المقاييس. وللتوضيح فقط، فإن مقياس جودة منتج ورقي أو خدمة حكومية مثل إصدار جواز سفر، يكون بعدد الأخطاء المسموح بها لكل عشرة آلاف جواز سفر يتم إصداره، وبحيث يتم مقارنة هذا المقياس مع الدول الهدف في تماثل الأداء للمرجعية.

عودة إلى معرض الغسالات، فقد وجدت في الصالة الثانية نماذج متتالية تبدأ من الغسالة البدائية، والتي تتكون من حوض خشبي أشبه ما يكون ببرميل خمر خشبي، تم نشره وفصله إلى نصفين عند أوسع محيطه، فكانت الغسالة عبارة عن نصف البرميل مع عصا خشبية في وسطه لتحريك الغسيل. كانت الغسالة التالية تتكون من نفس الحوض الخشبي مع آلية إضافية في أعلى الحوض لتحريك الغسيل تشبه عصا تشغيل السيارة يدويا، ثم أضيف لها مع السنوات أداة عصرخشبية يدوية. أضيف بعد زمن محرك كهربائي لتحريك الغسيل، تطورا أدى طبعا إلى استخدام الحوض المعدني لتحمل قوة المحرك. وهكذا توالت السنوات ، وتم إضافة المزيد من الأدوات لأتمتة أجزاء من العملية، تحسينا مستمرا لمقاييس الأداء المذكورة اعلاه، وصولا إلى الأتمتة أو الميكنة الكاملة للعملية، بعد أن تم إضافة الأزرار والبرامج المخزنة لأخذ القرارات، وبهذا تم تخزين العملية ومن ثم المعرفة داخل الآلة أو الأداة.

هل توقف تحسين الغسالات بعد أن أصبحت أداة آلية بالكامل؟ الجواب هو لا، ما زلنا نرى كل عام تقريبا نماذج جديدة محسنة، بميزات إضافية جديدة، أوبميزات قديمة محسنة. وما زالت الأسعار تنخفض أو تثبت لغسالات أفضل في الميزات والجودة، أي أنها أقل عطلا وأطول عمرا، وبأمان أعلى ومخاطر أقل.

مما سبق يمكننا استنتاج أن العملية الموثقة أفضل من العملية غير الموثقة، حيث يمكن البدء بتحسين العملية بعد توثيقها، بدراسة كل إجراء من إجراءاتها والاستغناء عن أي إجراء لا يعطي للعملية قيمة مضافة.

في إطار آخر، وأثناء العمل الميداني لإحدى الفرق الاستشارية المسؤولة عن تحسين خدمة إصدار رخص المهن، قام الفريق بتخفيض عدد التواقيع اللازمة لمعاملة إصدار رخصة المهن من أربعة وعشرين توقيعا إلى ثلاثة تواقيع فقط وتم بذلك تحسين كل مقاييس الأداء.

تقوم الحكومات بتوظيف عدد أكبر من احتياجاتها من العمال والموظفين إرضاء للأتباع والأحباب أو لأسباب أمنية أو جهلا بالاحتياجات الفعلية، وتضطر المؤسسة الحكومية إلى توفير المكاتب والمساحات لهؤلاء الموظفين، وفي كثير من الأحيان، تضطر لتوفير الأختام لهم أو غيرها من المعوقات بهدف شغلهم وليس تشغيلهم، مما يؤذي كل مقاييس الأداء بلا استثناء. هذا ما يسمى بالبطالة المقنعة.

إن تحسين العملية، حتى تلك التي وصلت كامل الأتمتة، لا يتوقف، فهناك دائما مجال لمزيد من التحسين. هذا المفهوم هو ما يسمى بالتحسين المستمر، مقابل مفهوم إعادة هندسة الإدارة او الهندرة

(business process re-engineering)

والذي يقوم على التساؤل عن سبب وجود العملية أصلا بدلا من مجرد تحسينها.

أستاذ علم هندسة العمليات في جامعة هارفرد د. مايكل هامر علمنا ثلاث مبادئ أساسية

العمل باستخدام عملية موثقة ولكن غير كفؤة أفضل من العمل بدون أية عمليات موثقة

تحسين العملية الموثقة غير الكفؤة وصولا إلى عملية جيدة أفضل من العمل بها كما هي

هناك دائما مجال لتحسين العملية الجيدة.

تغطي العمليات كل ما نفعله في حياتنا، فالصناعة والزراعة والصحة والتعليم والعبادات من وضوء وصلاة وحج وغيرها هي عمليات معرفية محددة المدد والكميات والجودة وواضح منتجها النهائي ومردودها علينا.

والعمليات مخازن المعرفة كما رأينا أعلاه. وبناء العمليات الأفضل وتوطينها في أمتنا هو إحياء للمعرفة ومن ثم إحياء للثقافة، وصولا إلى النهضة حسب التعاريف السابقة.

:نحتاج الى البناء التالي لتحقيق نهضة المؤسسة او الدولة

الشكل اعلاه ملكية فكرية لشركة اي دي اس شير الالمانية

منظومة الرؤية او الإدارة العليا أو قيادة الدولة و يدعمها في ذلك، خبراء من بيت النهضة وجامعتها، متخصصين
في مجال الإدارة الاستراتيجية؛ في وضع الاستراتيجية والأهداف الاستراتيجية للمؤسسة او الدولة ومقاييس الأداء اللازمة لهذه الاهداف؛ أسوة بهيئة الأركان وكلية الأركان كما ذكرنا في مدونة الاستراتيجية السابقة
. تقود هذه المنظومة الدولة للوصول إلى رؤيتها؛ أو منتهاها الاستراتيجي . ويرمز لهذه المنظومة بالعين.

المنظومة المعرفية المكلفة ببناء وإدامة العمليات المعرفية وبتجميع العمليات وأفضل الممارسات والمنهجيات وتوثيقها بالتفصيل الكافي لتخزين وتعميم المعرفة، مع مقاييس أداء كمية، تحقق الأهداف الاستراتيجية، مع توفير إمكانية مقارنتها محليا ودوليا، وبالتالي نستطيع بقياسها قياس أداءنا وجودة منتجاتنا أو خدماتنا ومعرفة نجاحنا في الإنجاز محليا ودوليا.

كما ويقوم خبراء إدارة الجودة في هذه المنظومة بمتابعة التزام الوزارات والمؤسسات بتنفيذ العمليات والسياسات التي تم تصميمها، وبتحقيق مستوى الخدمات المطلوب وقتا وكلفة وجودة ومخاطرة. ومن ثم تحسين ذلك ما بشكل مستمر.

تقوم هذه المنظومة ايضا بدراسة ما يلزم توفيره على سبيل المثال من الأدوات والتجهيزات من أجهزة حاسوب وصولا إلى الآليات مثل الجرافات وحسب إمكانياتنا وموازناتنا المالية، اللازمة لأتمتة العمليات وتحسين ادائها باستمرار.

 وتمثل هذه المنظومة الجزء الرئيسي الثاني من بيت النهضة بعد منظومة الرؤية، ونرمز لها بالراس وتمثل العقل المؤسسي.

منظومة التطبيق او التنفيذ، وتتكون هذه المنظومة من كافة الوزارات والمؤسسات التي تنفذ العمليات لتقديم الخدمات إلى المواطنين تحقيقا لسبب وجود المؤسسة. ويتم ذلك باختيار الموظف الأنسب تأهيلا ومعرفة، لتدريبه على تنفيذ العملية يدويا، او آليا لتلك العمليات التي تمت أتمتتها بشكل جزئي أو كلي، مع الإشراف على التزامه بمقاييس الأداء والجودة. ونرمز لهذه المنظومة باليد.

ذكر الكاتب المشهور توماس فريدمان في كتابه لكزس وشجرة الزيتون، ما معناه ان المنتجات الجديدة من سيارات على سبيل المثال، والتي أصبحت مؤتمتة بالكامل، اختزنت العملية المعرفية بكاملها داخل الآلة، وحرمت بذلك عالم مستهلكي التكنولوجيا من المعرفة القليلة التي كانت تصل اليهم خلال عملية صيانة السيارات الأقل أتمتة. يقوم الميكانيكي حاليا بوصل السيارة بالحاسوب، ويخبره الحاسوب بأية أعطال يجدها الحاسوب وأية مجموعة كهربائية او ميكانيكية يجب استبدالها، دون الحاجة إلى أي معرفة حقيقية من الميكانيكي، وتتم المعايرة بنفس الطريقة.

وبالمقارنة بميكانيكي السيارات اليدوية، الذي كان يفهم التفصيل ويصلح ويخرط ويستبدل على مستوى القطعة ومن مصادر مختلفة وصانعين مختلفين، ويعاير السيارة وغالبا بسمعه وبصره، ودون الخضوع لسيطرة وتحكم صانع واحد، الم نفقد جزءا من استقلالنا جراء ذلك؟

ألا تتوقف حياة كثير من المؤسسات إذا ما انقطعت الكهرباء وتوقفت الحواسيب؟ إن شراء أنظمة حاسوب متكاملة، تشمل الأجهزة والبرمجيات لحوسبة كافة الأعمال، يجب أن يسبقه بناء منظومة العمليات واستيعابها، وتجهيز خطة الإدامة اليدوية وإدامة الرجوع اليها تدريبا وممارسة حتى لا يأتي يوم تتوقف فيه الحياة المنظمة ونغرق في الفوضى إذا ما انقطعت الكهرباء عنا وما أكثر الأسباب.

أود ان استكمل معكم في المدونة القادمة أهمية العمليات المعرفية في بناء نهضتنا وسيكون عنوانها:

المسار المتوسط – العمليات ٢.

نسأل الله التوفيق والرشاد


5 Comments

Filed under عربي

المسار المتوسط المؤسسات – الاستراتيجية

بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة رقم ٥

قاد الامبراطور نابليون جيشه العظيم لغزو روسيا في الشهر الثامن من سنة ١٨١٢م، ولم يجد مقاومة تذكر حتى  بلغ عميقا داخل الاراضي الروسية.

ولكن هل كان هناك حدود مباشرة بين فرنسا وروسيا؟

كانت الامة الالمانية مقسمة الى دويلات وامارات صغيرة ضعيفة، وكانت مملكة بروسيا احدى هذه الدويلات، وكانت عزيزة أبية، لكنها كانت منطقة نفوذ وتاثير لفرنسا نابليون

تراجع الروس ببطء امتد لثلاثة اشهر امام الجيش الذي زاد عدده عن نصف مليون فرد، واحرقوا اثناء تراجعهم كل ما يمكن ان يمثل تزويدا للجيش الفرنسي ، حتى انهم احرقوا موسكو واخلوها قبل تسليمها لنابليون، لم يستسلم الامبراطور الكسندر الاول لنابليون، اضطر نابليون الى الانسحاب في الشتاء الروسي القاسي وبدون  تموين وبدون تحقيق اي نصر.

هلك حوالي اربعماية الف فرنسي اثناء الانسحاب ، وبذلك بدأ افول نجم نابليون وضعف سلطانه. وتقول الدراسات  والحفريات الحديثة بأن مرض التيفوس الذي ينقله القمل كان اهم اسباب الفناء.

استغل ملك بروسيا هذه الفرصة فجمع اعظم خمسة جنرالات في جيشه واوكل اليهم دراسة وضع الدولة الحالي,   وتحديد الوضع المستقبلي المطلوب من منعة وقوة،   ووضع الحلول للوصول الى الوضع المستقبلي  وتحويل الجيش البروسي الى قوة عسكرية منظمة ، مهيببة الجانب ، ومنع تكرار امتهان سيادة وكرامة بروسيا ثانية

درس الجنرالات الوضع في حينه، وحللوا عناصر القوة والضعف، والمخاطر والاعداء المحتملين لبروسيا فرادى ومجتمعين. ومن ثم الفرص المتاحة والتحالفات الممكنة مع وضد بروسيا. ووضعوا الاهداف المطلوب تحقيقها ومن ثم المبادرات والمشاريع اللازمة والتي تمثل التجسير اللازم لتحقيق هذه الاهداف

وكانت اهم التوصيات كالاتي

فتح التجنيد لكافة ابناء الشعب والغاء حصر طبقة الضباط بالامراء واصحاب الالقاب .

بناء طبقة مختارة من اذكى واكفأ الضباط، لتتولى اعمال الادارة والتخطيط الاستراتيجي، وتكون بمثابة العقل المؤسسي للجيش وتسمى الاركان العامة

يتم تدوير هذه الفئة من الضباط وطيلة خدمتهم في القوات المسلحة بين الوحدات العسكرية المختلفة من فرسان ومشاة ومدفعية وغيره، وكلية الاركان العامة ولمدد حوالي السنتين. كانوا يعودون الى الكلية بما خبروه اثناء خدمتهم بالوحدات من ممارسات فضلى ومن مشاكل وحلولها، وذلك لدراستها ودمجها مع خبرات الاخرين وادخالها الى الخطط الحالية لتحسينها، ومن ثم الالتحاق بالوحدات مرة اخرى للمساعدة في التطبيق، وهكذا نحصل على تراكم الخبرات ومن ثم التفوق

كيف يضمن واضع الخطة سلامة خطته اذا لم يتقن التكتيك، فعلى سبيل المثال، اذا كانت سرية الفرسان تقطع ثلاثين كيلومترا في اليوم الواحد، ونصت الخطة على انتقال الفرسان مسافة ستين كيلومترا في اليوم، الا يكون ، هذا سببا لفشل الخطة، ومن ذلك مسافة الرماية الفعالة، وسرعة انتقال المدافع في مختلف انواع الاراضي، ومدة تجهيزها للرماية، ومساحة تأثير طلقتها، ولوازم الجيش من عتاد ولباس وشراب وعلاج وصيانة وهكذا.

ولما سبق، وجب تنقل المخطط بين الوحدات المختلفة ليتعلم التكتيك وليأخذ بعين الاعتبار كافة المتغيرات المؤثرة على كفاءة وفاعلية الجيش ولتكون الخطة شاملة صادقة فعالة.

اطلقت العسكرية الالمانية اسم هيئة الاركان  العامة على هذه المجموعة من الضباط المخططين

STAFF

وعلى العسكريين  وهم منفذي الخطط  ، وكان الجيش يحارب في تلك الايام وحتى الحرب العالمية الاولى بخطوط طويلة من تشكيلات الجنود، اطلقت اسم  خط القتال

LINE

وقد انتقلت هاتين الكلمتين العسكريتين والمنهجية المذكورة اعلاه الى الجيوش العالمية الاخرى، وانتقلت ايضا الى القطاع الاهلي، والشركات الكبرى واحتفظ الجميع بها تحسينا وتطويراومفردات الى يومنا هذا

قامت بروسيا بفضل جيشها بتوحيد المانيا، واصبحت المانيا قوة اوروبية رئيسية ان لم تكن الاولى، واحتلت فرنسا بعد معركة سيدان في العام 1870 واسرت نابليون الثالث امبراطور فرنسا، وعززت وحدة المانيا نهائيا

استعملت المانيا نفس الخطط التي طورتها هيئة الاركان العامة في حروبها التالية مثل الحرب العالمية الاولى والثانية، مع اخذ التقدم التكنولوجي بعين الاعتبار. ففي تنفيذ عملية الالتفاف على الجيش الفرنسي خلال اكتساح الدول الواقعة الى شمال فرنسا مثل هولندا، والتي طبقت في كل حروب المانيا ضد فرنسا، تنوعت الادوات من استعمال الخيل والبغال في العام 1870 الى استعمال الانزال الجوي في الحرب العالمية الثانية لتنفيذ اسرع وادق لنفس العملية العسكرية، وهنا نأتي الى موضوع في غاية الاهمية وهو فصل العمليات عن الادوات التي تساعد في تنفيذها.

ولاختصار وتوضيح ما سبق، فاننا نستطيع ان نجمل بناء الاستراتيجية كالاتي

الحاجة الى انتقاء افضل العقول واكثرها علما وخلقا، ليتم تأهيلها عقلا مؤسسيا للدولة، ولتسريع النتائج فانه من الافضل انتقاؤهم بالمواصفات السابقة من ضمن الموظفين الحاليين الذين يتقنون التكتيك في مؤسساتهم لتوفير مدة تأهيلهم. والتركيز على تعليمهم الادارة الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي

تحديد الرؤية للدولة وهو مماثل لما حددته بروسيا بأنها تريد ان تصبح قوة عسكرية مهيمنة في اوروبا

تحديد مهمة الدولة في بناء دولة حديثة اقتصاديا وعلميا وثقافيا

وضع العلاقات السببية التي تحقق الرؤية والمهمة، ورسم العلاقات السببية الناظمة للاهداف الاستراتيجية في خرائط استراتيجية، وتحدد العلاقات السببية كمثال لتحقيق افضل جيش اوروبي. بطرح السؤال التالي

وكيف يكون ذلك؟

بتوفير افضل المخططين والمنظمين العسكريين في العالم، وافضل الممارسات العسكرية واعادة تصميم العمليات العسكرية والمساعدة لاستيعابها، والتدريب وادارة الجودة

وكيف يكون ذلك لكل منها؟

يتم توفير افضل المفكرين والمخططين العسكريين ببناء هيئة اركان عامة منتقاة من اذكي وافضل الضباط مع كلية اركان فاعلة

وكيف يكون ذلك؟

وهكذا

وهنا تبدا المشاريع بالظهور، والتشكل، ويمكن بعد ذلك تحديد اولويات المشاريع واحتياجات التمويل ومن ثم توزيعها على السنوات وحسب الموازنات والتمويل المتوفر، وتعرف هذه الالية حاليا ببطاقات الاداء المتوازن.

ولقد علمنا ربنا في درسه الاسبوعي للامة؛ سورة الكهف؛ اهمية موضوع السببية فقال عز من قائل

،ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا، انا مكنا له في الارض وآتيناه من كل شئ سببا فاتبع سببا

فكان تمكين ذي القرنين عليه السلام في الارض ان آتاه الله عز وجل علم الاسباب وربطها وإتباعها ببعضها البعض او السببية

وتتابع الآيات الشرح ليتم التوضيح بأن السببية؛ وهي ما مكنه فيه ربه؛ هي خير من الخرج وهو المال.

قالوا يا ذا القرنين ان يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض فهل نجعل لك خرجا على ان تجعل بيننا وبينهم سدا، قال ما مكني فيه ربي خير، فاعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردما

.وقد حل مشكلتهم باسباب ارضية، بأن ردم الارض بعملية صناعية وذلك بان صب فيها سبيكة من الحديد ، والنحاس، لا غيبيات فيها، وبعد ان اخذ بالاسباب رد الامر الى صاحب الامر فقال عليه السلام

قال هذا رحمة من ربي، فاذا جاء وعد ربي جعله دكا وكان وعد ربي حقا

وناتي بذلك الى بناء العمليات التي تحقق الاهداف مثل ما فعل ذي القرنين ، فقد فصل القران الكريم العملية المطلوبة للوصول الى هدف منع العدو من الوصول وايذاء القوم

ان بناء الجسم العملياتي لتنفيذ الاستراتيجية واهدافها ومن ثم تنفيذ وانجاح المشاريع اللازمة للوصول الى تحقيق الرؤية، وكله ضمن الاحسن عملا، سيكون موضوع مدونتنا القادمة ان شاء الله

المسار المتوسط المؤسسات – بناء الجسم العملياتي

نسأل الله التوفيق والرشاد

6 Comments

Filed under عربي

المسار السريع – المؤسسات

بسم الله الرحمن الرحيم

القطوف الدانية (Low Hanging Fruits or Quick Wins)”

مدونة ٤

عاش طبيب عربي أعرفه شخصيا في ألمانيا نحو أربعين سنة، يديرعيادته الخاصة. وعندما بلغ الخمسين من عمره قام بإدخال طبيب شاب في الثلاثين من عمره شريكا له. تبين لي لاحقا أن هناك قانون يجبر الأطباء والمحامين والعاملين في المهن المشابهة على إدخال شريك وليس موظف، أصغر بحوالي عشرين عاما، لضمان استمرارية العيادة أو المؤسسة.

ماذا يحصل في بلادنا العربية لعيادة طبيب أخصائي بعد وفاته أو تقاعده؟

ألا يتم إخلاؤها وشطب ملفات المرضى والتخلص منها في غالب الأحيان؟

ماذا يحصل للمرضى الذين كانوا يراجعون هذه العيادة؟ ألا يضطرون للبدء من جديد مع طبيب آخر لعلاج مرض قد يكون مزمنا او طويل العلاج؟

إن هذه الممارسة البسيطة التي تعرض لها الطبيب العربي في ألمانيا علمتني كيف يمكن ان نراكم المعلومات المرضية للمريض وإدامة ملفه وملف عائلته لسنوات طويلة، مما يمكن من دراسة التاريخ الطبي للمريض ولعائلته، وتعلمت كيف لا تضيع معلومات وملاحظات وخبرات جمعها أخصائي على مدى عقود طويلة من الدرس والبحث وذلك بوضع قانون بسيط.

ما هي تكلفة تطبيق هذه الفكرة في بلادنا ومؤسساتنا، وكم يحتاج تطبيقها من الوقت؟

أقام خبير دولي في احدى الدول العربية مدة عامين، ضمن مشروع تحسين التعليم المدرسي. واضطره وجع شديد ألم به بسبب انزلاق غضروفي (ديسك) إلى أن يبحث عن أشهر أخصائي جراحة ظهر في تلك البلد، وذلك لاستحالة سفره، وكان الأخصائي الذي اختاره من الأوائل المتفوقين في كافة مراحل الدراسة. قدم الأخصائي أحسن ما درس ومارس وأتقن، أثناء تخصصه في الولايات المتحدة، في مثل تلك الحالات، وسارت الامور بعد العملية على أفضل ما يرام.

عاد الخبير الى بلده الرائد في مجال الطب، و بعد فترة وجيزه عاوده الألم أسوأ واقسى مما سبق، هرع الى أخصائيي بلده ينشد الدواء والشفاء. أخبره الأخصائيون أن العملية التي أجريت له كانت حسب أفضل الاجراءات المعتمدة قبل خمسة وعشرين عاما في معالجة الانزلاق الغضروفي، وأنه لنفس الاسباب التي عانى منها المريض، قام الباحثون باستبدالها باجراءات أخرى لا تسبب هذه الانتكاسة الخطيرة.

لقد عاد الأخصائي العربي عند انتهاء دراسته قبل خمسة وعشرين عاما من الولايات المتحدة إلى بلده بآخر ما صدر في علمه، عمل في إحدى المستشفيات الحكومية لبضع سنوات، ليصبح معروفا لدى الناس، وحيث لا مراقبة للجودة او متابعة للنتائج أو للمرضى في غالب الأحيان، وحيث يختلط مفهوم القضاء والقدر بأخطاء الاطباء. ثم خرج الى السوق ليمارس الطب ليل نهار، وأنى له ان يعلم ان ما تعلمه  من اجراءات لعملية الديسك، قد ألغي واستبدل.

تشترط النقابات في الدول المتقدمة حضور الأطباء دورات تحديث المعلومات الطبية والدوائية وغيرها؛ مدتها حوالي أربعة أسابيع سنويا؛ لتجديد شهادة ممارسة الطب، والتي بدونها يمنع الطبيب من ممارسة مهنته.

ألا تحمي هذه الفكرة كثيرا من مرضانا من الوقوع في المصائب الصحية والمالية؟ ألا تفتح هذه الفكرة مجالا لإنشاء مراكز للتدريب الطبي وغيره من المهن وتوفر الوظائف؟

كم كثر هم الاطباء العرب في العالم المتقدم، متفوقون معروفون ، موثوقون ناجحون. وكم من الاجراءات والقوانين والتعليمات الرائعة التي يمارسونها يوميا، والتي كلفت أموالا طائلة للوصول إليها وتطبيقها، وتضمن تفوق الأفراد والمؤسسات، يمكن جمعها وإرسالها لنا لنقوم بدورنا بتوطينها في بلادنا، نخفف بها آلام أهلنا ونحسن صحة أمتنا .

في مجال آخر، ذكرت إحدى المجلات الغربية المعروفة، وعلى غلافها الرئيسي، عنوان بارز يقول عار علينا أن هناك شعبا يفنى في احدى مناطق جنوب المحيط الهادئ“.

لقد شدني الخبر، فما علاقة الغرب بفناء هذا الشعب؟

وتبين لي في النهاية أن العار تمثل في أن الباحثين الغربيين لم يجمعوا أمثال هذا الشعب وطبه الشعبي قبل أن يفنى، وهنا يكمن العار

تبحث دول في غاية التقدم الحضاري عن حكم وتجارب شعوب العالم لتتبناها، تماما كما ورد في الحديث الشريف الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجدها التقطها“. وحيثماعامة تغطي حتى شعوبا بدائية في جنوب الهادئ.

تختزن خبرات الشعوب في حكمها وأمثالها، في عاداتها وممارساتها، في طبها الشعبي، تجارب أجيال متعاقبة راكمت نتائج هذه التجارب، تأخذها الأمم المتقدمة لتنتج منها أدوية، على سبيل المثال، تفوق قيمتها الذهب والفضة

وفي مجال مختلف، تستحق عقود إيجار العقارات في كندا في الأول من تموز في كل عام وبغض النظر عند تاريخ بدء عقد الإيجار. يعطي المستأجر الراغب بالإخلاء إنذارا بنيته يسبق انتهاء العقد بثلاثة أشهر، وكذلك يفعل صاحب العقار إن رغب بإخلاء عقاره. وهكذا تتناغم عروض وإعلانات الإيجار مع طلبات وإعلانات المستأجرين، ويتناسب هذا الموعد مع انتهاء العام الدراسي للطلاب وبداية العطلة الصيفية. أليس هذا بسيطا ومريحا للجميع؟

مثال آخر: في أمريكا الشمالية يتم ربط وقت تجديد المعاملات المتكررة، مثل رخصة قيادة السيارة، بتاريخ ميلاد صاحب الرخصة؛ اي تنتهي صلاحيتها بهذا التاريخ، أليس هذا أسهل للتذكر وأيسرإنجازا؟

نستنج مما سبق أن هناك خبرات وممارسات دانية القطوف يمكن جمعها والاستفادة منها بكلف قليلة وبزمن قصير.

ألا تستطيع الدولة أن تكلف سفاراتها في الدول المختلفة جمع مثل هذه الخبرات والتجارب والحكم والطب الشعبي وإرسالها للوطن لدراسة ما يناسب منها ثقافتنا، ومن ثم توطينه؟

ألا نستطيع توجيه الدراسات العليا إلى أبحاث النهضة ومساراتها والعمل على تأطير ومأسسة هذه المسارات ؟

نسترجع هنا من مدونات سابقة أهمية تحديد مؤسسة تكون بيتا للنهضة وجامعة لها تركز على أبحاثها، وتكون مستقلة عن السياسة وأهلها، وتكون تابعة للسلطة القضائية.

يقوم بيت النهضة ، أو من يقوم مقامه، باستلام هذه الأفكار، ويقوم أساتذة وباحثي جامعة النهضة بدراستها وغربلتها وتحسينها وتسليمها إلى الخبراء القانونيين من السلطة القضائية، او مجلس التشريع؛ لوضعها في مشروع قوانين ، يتم عرضها على برلمان وطني هدفه النهضة، فيقوم بإقرارها بعد أن يتم تحسينها ثانية هناك. وأما في ما يتعلق منها بالمؤسسات الأهلية مثل النقابات، فيتم عرضها على مجالس إدارتها او هيئتها العامة لمناقشتها وإقرارها.

إن تقليص مناطق الخلاف في تفسير القوانين عند التطبيق يستلزم وضع تعليمات تنفيذية تفصيلية لها. وهنا يتابع بيت النهضة وضع ذلك ووضع آلية مراقبة الالتزام بذلك ومراقبة الجودة.

أرجو أن يتعاون جميع الاخوة والاخوات في إرسال تجارب وخبرات مماثلة، بسيطة وناجحة، تحت عنوان (قطوف دانية) ليتم الاستفادة منها ،و تبليغ من تعرفون من الخبراء والممارسين العرب في الغرب وفي العالم للمساهمة بتجاربهم ، وبحيث تتراكم خبراتنا في موقع واحد. أو ليس التفوق قصد وتراكم؟

سيكون موضوع المدونة القادمة المسار المتوسطالمؤسسات ان شاء الله.

جزاكم الله خيرا، ونسأل الله التوفيق والرشاد.


8 Comments

Filed under عربي

Our Renaissance: How do we begin

In The Name Of God The All Mighty And Merciful
Post 2

Many nations such as Japan, Taiwan, Malaysia and most recently China, Brazil and Turkey achieved development and progress over the past one hundred and fifty years. Entrusting their unique race, culture and knowledge. This success was earned through adoption of western best practices in the areas of education, scientific research, production, marketing, etc., and it is through modernization their nations and embracing these practices that they achieved progress and not through westernization.

Does the above narrative mean the same to each one of us? Do we have common definitions that unite us with necessary significance and meaning?

Three thousand years ago the great Chinese thinker and philosopher, Confucius, said “if only I had a day to rule the world the first thing I would do is unite all definitions” How significant is this quote to what we are trying to accomplish here today.

How can we devise a plan for our revival if definitions are not understood and there is no common language with clear meaning that unites us?

Was it not Muslims that invented semantics (study of meaning) to help them determine exact meanings of vocabulary used in the Quran? Western scholars development this early work and tailored its use to meet their cultural under the name of Semantics.

We all know that meanings and definitions of certain terms and jargon can vary and this is especially true for metaphorical words such as renaissance. We will therefore try within this post to selectively choose from within commonly used definitions, to be the bases for future discussions. Perhaps these definitions through our collective effort and contribution will serve as the basis for the development of the Arab Renaissance Body-of-Knowledge and dictionary.

We have adopted the definitions of what causality and methodology can be built from it. Which means the possibility of asking the following question: How can we do that?

Definitions

Renaissance is the revival of learning and revival of culture.

Culture is a combination of the following: knowledge, beliefs, habits, behavior, communication (mainly language), crafts, skills and tools to be used by a homogeneous group of people built on successfully co-existing among themselves and other people.

Civilization is the average consumption of natural resources per capita as a measure of happiness.

Language is the foundation and repository of thought and culture. Thus if undermined our cultural revival and renaissance will be weakened.

Excellence is the intention and accumulation of knowledge. This implies that excellence cannot be achieved by coincidence but through strong predetermination, true intention and an efficient accumulation mechanism.

Westernization is the adoption of Western culture in full, including all the elements of culture as defined above.

Modernization is taking knowledge, skills and tools and modifying them to conform to the rest of the elements that define culture and then become absorbed in local culture.

Knowledge is information and skills acquired through education and experience i.e. the theoretical and practical understanding of a subject.

Knowledge Process is a set of resolutions and related actions, which we undertake to produce a service or product to a third party.

Competitive Advantage is the strategic advantage that an organization or nation possesses against its competitors in a particular field or sector.

Core Competency is the factors that an organization or nation may deem essential, unique and central to effectively perform its duties or work, making it difficult for competitors to mimic.

Critical Success Factors is the term that describes the strategic management of the underlying factors of the institution in achieving its vision and mission.

Strategy is originally a military term, describing the overall work plan to achieve a particular objective or goal. It is also known as a plan of action to maintain the competitive advantage of an institution or a nation.

Strategic Management is the management and implementation of initiatives at the leadership and senior management level aimed at improving institutional performance through the optimal use of available resources.

Strategic Planning represents the process or the direction followed by an institution to determine and achieve its strategy through a decision-making process and use of available resources.

Our countries have on occasion adopted the strategy of modernization and westernization and accepted what friendly nations provided in terms of financial support and even more importantly technical support through providing expertise, technical missions and the provision of specialized training courses to deliver projects.

But did this lead to sustainable development or a renaissance?

Did we retain the knowledge, methods and best practices as applied by these foreign experts?

Did we study this knowledge and modify it to suit our needs and then develop and improve it to ensure its ownership and continuity within the society?

Are improvements accumulated with the aim of reaching perfection and excellence?

Is this knowledge passed on to our children and taught generation after generation negating the need for foreign expertise or experts for the same knowledge again and again on similar projects.

The above leads to the following fundamental question: What is the institutional mechanism that allows Egypt to compile these experiences and merge them into the fabric of culture and society, and then apply these experiences to launch a revolution in education and innovation?

If excellence means having the intention and the mechanism to accumulate experiences, how would this mechanism be able to accumulate expertise institutionally and not have these experiences in the minds of individuals risking the loss of these experiences?

Who receives and adopts the creativity and ideas of our people and efficiently studies these ideas so as not to frustrate the innovators and creators among us?

How do we set the benchmarks and performance indicators needed for our institutions in particular universities, and do we quality manage the application and implementation of this proposed mechanism, and how do we compare our performance with similar leading institutions in the world? How can we modify our path to follow and pursue excellence within the world?

In short, where will the institutionalization of the Renaissance take place and who would be responsible?

The Way Forward

When the revolution in Poland succeeded in breaking the ruling Communist Party, the comments of experts at the time stated that Poland needed seventy years of planned hard work to accommodate a free market economy and to catch up with Europe. Poland also needed to develop a strategy for its revolution and to build institutions, systems, modern laws and efficient administration more than it needed financial support.

A number of Arab countries have adopted a free market system for many years now, and many socialist Arab countries stirred towards capitalism after the collapse of the Soviet Union. We have therefore already provided many of the years required to transform towards Renaissance. We can assume that we need thirty-five years to reach a clear quantitative goal to be at equal footing with countries like South Korea, Malaysia, or Turkey at the end of this period. We can rely on performance indicators such as per capita income, international educational standards, health services such as deaths per thousand births, etc. At this point I would like to invite our fellow economists to contribute and add/develop other performance indictors.

Possible Routes

Let’s think together of parallel paths and routes to achieve an immediate sustainable renaissance.

            •            Short term – Quick results between one year to two years

            •            Medium term – Tangible results between five to ten years

            •            Long term – We begin recognizing the positive results after fifteen years. when institution building is complete. We would be able to compare our results with target nations after thirty-five years once we have completed our investment.

Change of Governments and heads of State within a democratic system is important and essential to stop us falling back into dictatorship. However during the medium and long term renaissance period’s this system raises important questions such as:

Who is responsible for the Renaissance and the achievement of its objectives?

Are achievements of a particular elected government compatible with the renaissance’s plan? Whether in cause or proposed solution?

Who works towards developing strategic emergency plans?

Who supports spending on long-term projects that show results in the era of future governments?

Governments cannot monitor themselves, and they will not be monitored by parliament as long as the elected government is majority in parliament. We can see now in many democratic countries irresponsible and unsustainable debt levels that eventually led to their bankruptcy and the need for bailouts and rescue plans such as in Greece, Ireland, Portugal and others.

Governments tend to borrow and buy their popularity in elections. Once the opposition is in power they do the same providing their people with a false sense of wellbeing.

Let us suggest the establishment of a distinct solution for our revolution and call it the “House of Nahda”, an independent institution funded by the state, and follows an independent judiciary without the interference of political parties, government or parliament.

The characterization of “House of the Nahda” include the following:

            •            Composed of strategic management, strategic planning and economic experts and has a database of diverse specialists with a proven track record in their respective scientific filed. These individuals are to be nominated by educational institutions, universities, trade unions, associations, and others.

            •            The House of Nahda develops the strategic destination of the state with its clear competitive advantages. This is submitted to parliament for review and approval.

Globalization and opening of the markets to competition using a number of means especially Free Trade Agreements has unfortunately favored developed countries at the expense of the underdeveloped. This adoption of free trade instigates that protectionist controls such as customs be dismantled and replaced with sale tax that does not distinguish between foreign and local products.

Products of poor underdeveloped countries are unable to access developed markets for a number of reasons, such as specifications, standards and quality. How can companies in weak economies with limited resources adhere to strict specifications, standards and provisions?

We need to find unique strategic competitive advantages that make our economy unique and distinctive, for example:

            •            Historical tourism in Egypt

            •            Religious tourism in Saudi Arabia, including Hajj and Umrah

            •            Building Arab and Islamic knowledge content in Egypt, because of ample presence of Arab languages, theology and information technology scientists.

            •            Agriculture in Egypt, Syria, Sudan and Morocco

            •            The oil industry in oil producing countries

            •            The development of strategic objectives and the sharing of the outcomes of already set quantitative performance measures over a number of years based on available state funding.

            •            Auditing government authority and ministries plans against the set strategic objectives and its measures.

            •            Gather and assemble best global practices and making them available to quality assurance bodies within government institutions and the private sector.

            •            Publish periodic reports to illustrate the extent of government’s commitment to the overall strategic direction of the state.

            •            Adoption of a public university to become the “University of Nahda”. One of its aims would be the production of qualified human resources in strategic management

            •            Storing, documenting and publishing knowledge systems and processes for all government at strategic, management and operational levels

            •            Provide scholarships for higher education to improve these processes and their implementation

            •            Provide training courses to government employees to ensure they are qualified to assume positions of public administration

            •            Build and sustain dictionaries of public administration

            •            Create a knowledge bank to make best practices available in governance and the accumulation of experiences and knowledge

            •            Identify the tasks and objectives required from trade unions, associations and institutions of the state and the integration or cancellation of which is redundant and has no role in the Renaissance.

We will in a dedicated post explain the long-term track for renaissance to identify and clearly explain the role of the “House of Nahda”

As a temporary measure we must set an institution responsible for achieving the Renaissance’s goals until the completion and building the “House of Nahda” allowing it to assume its long-term goals. It is a proposed innovative tool for our renaissance that provides competitive advantages and unique solutions allowing us to compete.

In the next post we will discuss the ideas for the fast track.

We ask God for help and guidance.

Leave a comment

Filed under English